نجاح الوزراء الجدد .. يبدأ بالتفويض!
استقبلت التعيينات الجديدة (التغيرات) التي طالت بعض الوزارات والهيئات ومجلس الشورى بارتياح كبير وزخم إعلامي تجاوز في بعض الأحيان الحد المعقول وكأنما المعفون من مناصبهم كانوا حجر عثرة أمام جهود التنمية أو أنهم أقل دراية وخبرة وبرحيلهم تستقيم الأمور وتكون أفضل حالا، وأن الوزراء الجدد لديهم عصا سحرية ستعالج المشاكل وتتصدى للقضايا وتواجه التحديات بمجرد أن تطأ أقدامهم مكاتبهم الجديدة! هذا تفكير مشبع بالأماني والأحلام والخيال ويمكن نعته بمحاولة للخروج من واقع تكالبت فيه الضغوط بجميع أنواعها على الكثيرين ويأتي في مقدمتها الأزمات المالية المتتالية وتعقد الحياة ومطالبها وصعوبة الحصول على عمل بدخل مجز يلبي الاحتياجات الحياتية الأساسية. صحيح أن القيادات الإدارية لها تأثير في التطوير والتجديد ولكن الأهم النظام الإداري والمالي الحكومي الذي لا يربط بين الأداء والنتيجة، ويركز على إجراءات الصرف حسب بنود الميزانية وفي الوقت ذاته انعدام الرقابة على عمل الوزراء من مجالس نيابية وعدم مطالبتهم ببرامجهم وسياساتهم للأربع سنوات القادمة ما يجعل الوزير في حل من الضغوط والمراقبة المؤسسية، ولذا تبقى مسألة نجاح أي وزير متروكة للحظ وتعتمد على قدراته الشخصية وليس العمل المؤسسي وبناء الخبرات التراكمية والتجارب السابقة بل إنه من الصعب التعرف على إنجازات أي وزير طالما أنه غير مطالب بطرح سياساته وتصوراته قبل توليه منصبه ومن ثم يمكن التحقق من إنجازها أثناء عمله وعند تركه المنصب. الغاية الأسمى من العمل الحكومي برمته هي الارتقاء بالمستوى المعيشي للمواطنين خاصة الفئات الأقل حظا في المجتمع بما يتناسب مع مستوى قوة الاقتصاد الوطني ورشد القيادة السياسية. وحتى في ظل نظام بيروقراطي ينشغل بالعمل الروتيني والمعاملات الورقية هناك مسئولية كبيرة ملقاة على عواتق المعينين الجدد، إذ يجب عليهم أن يقدموا أكثر ممن سبقهم كما ونوعا ويبادروا بطرح أفكار جديدة ورؤى مستقبلية تقود إلى آفاق أرحب وتحقق الغاية التي ينشدها الجميع وهو مستوى معيشي أفضل.
إن الإفراط في توقع الكثير من منصب الوزير هو نتيجة حتمية للمركزية الشديدة، التي تجعل من الوزير يبدو وكأن باستطاعته فعل كل شيء وهذا ضد منطق الأمور والقدرة الإنسانية. الوزارات التي مهمتها الأولى رسم الخطط والاستراتيجيات الوطنية تقحم نفسها وتتداخل في الشأن المحلي ما يؤثر سلبا في العمل الوطني والمحلي ولذا فالمركزية الشديدة أفرزت تنمية غير متوازنة بين مناطق السعودية انحصرت بما تعارف عليه بمحور التنمية شرق - غرب من الدمام مرورا بالعاصمة الرياض إلى جدة. إذ إن هذا المحور يمثل ثقلا سياسيا يجعل الوزارات المركزية تمنحه أولوية في توفير الخدمات والبنى التحتية. وقد وجه خادم الحرمين الشريفين في أكثر من مناسبة بالاهتمام بالتنمية المتوازنة والتأكيد على منح المناطق الأقل تنمية نصيبا أكبر من المشاريع التنموية. من هنا كانت فكرة إنشاء مدن اقتصادية في مناطق الأطراف علها تستقطب الاستثمارات المحلية والأجنبية. إلا أن ذلك بكل تأكيد لا يكفي لنجاح المشروع التنموي المحلي. فالتنمية المحلية تتطلب إصدار نظام للإدارة المحلية يحدد الاختصاصات والأدوار والمسئوليات بين المستويات الإدارية المحلية والإقليمية والوطنية وتمنح صلاحيات مالية وإدارية لمجالس المناطق والمجالس المحلية وتكون عضويتها بالانتخاب لتكون مجالس نيابية قادرة على عكس التوجهات وصياغة الرأي العام المحلي. إن وجود هيئات محلية نيابية سيؤدي إلى الاهتمام بالاقتصاد المحلي وتنميته والسعي الجاد لتكبير الكعكة الاقتصادية المحلية. الوضع الحالي هو اعتماد كبير على الأجهزة المركزية دون أن يكون للمجتمعات المحلية حول ولا قوة أدت إلى اتكالية تامة وانسحاب من الاهتمام بالشأن المحلي. هذا الوضع يحمل الأجهزة المركزية عبئا كبيرا ويستنزف طاقتها ويحول دون أداء ما يفترض أن تقوم به، وفي الوقت ذاته يفوت الفرصة في تحريك الموارد المحلية وتفاعل سكان المدن في التنمية الاقتصادية. ولذا ومن أجل تحسين المستوى المعيشي للأفراد كان من الضروري التخلي عن المركزية الشديدة في صنع القرار كأسلوب والتوجه نحو تطبيق قدر أكبر من اللامركزية. هذا يعني أن يكون هناك مركزية حيث يكون الموضوع أو القضية على المستوى الوطني وما دون ذلك يترك للمناطق والمحافظات.
إن تحقيق الكفاءة والفاعلية يستلزم بالضرورة توزيع الأدوار والصلاحيات بين المستويات الإدارية الوطنية والإقليمية والمحلية فالكفاءة تعني توفير السلع والخدمات للمواطنين بالكمية والنوعية المطلوبتين وهذا لا يتأتى إلا بالتعرف على متطلبات المجتمعات المحلية من خلال مجالس نيابية منتخبة. وفي السياق التاريخي هناك ضرورة للانتقال إلى مرحلة أكثر نضجا إداريا يتيح الفرصة لاستيعاب المتغيرات والمستجدات عبر تبني أسلوب اللامركزية وإتاحة الفرصة للمناطق والمحافظات للعب أدوار أكبر وأكثر فاعلية في التنمية الاقتصادية. إن المركزية الشديدة تعرقل المشروع التنموي الوطني وتشتت جهود الأجهزة المركزية وتدخلها في دوامة من الإجراءات الروتينية التي تستنزف الجهد والوقت والمال وتقلل من فرص التطوير والتنمية المحلية. هذا الوضع الإداري يلقي بظلاله على عمل الوزراء ويقلل من فاعليتهم ولذا فإن الوقت موات للتحول إلى نظام لا مركزي ينقل الصلاحيات المالية والإدارية للهيئات الإقليمية والمحلية لتكون مسؤولة عن تحقيق مصالح المجتمعات المحلية. وهناك تجربة ناجحة للتحول إلى اللامركزية تبنتها الهيئة العامة للسياحة والآثار بإنشاء مجالس للسياحة في المناطق منحتها كامل الصلاحيات والمسئولية لوضع الاستراتيجيات والخطط التنفيذية وإدارة الأنشطة السياحية داخل مناطقها بينما تولت الهيئة وضع الأطر الوطنية العامة والتنسيق بين المناطق ودعمها فنيا وماليا، هذا إضافة إلى انتهاج مبدأ الشراكة بين الأطراف المتداخلة في القطاع السياحي. إن ما يميز هذه الفلسفة الإدارية للهيئة العليا للسياحة والآثار المبنية على اللامركزية هو التركيز على ما ينفع الناس ويحقق مصالحهم وليس التشبت بالصلاحيات والإغراق بالعمل الروتيني والنظرة الجهوية الضيقة. إنها تجربة ناجحة تستحق تعميمها على جميع الأجهزة الحكومية، إلا أن الحديث عن اللامركزية داخل الأجهزة الإدارية وعلى الرغم من أهميته إلا أنه لا غنى عن الهيئات المحلية المستقلة ماليا وإداريا.
تغيير القيادات الإدارية لا يكفي لتحقيق الإنجاز والتميز وإنما يتطلب تحديث وتطوير النظم الإدارية وربما صياغة نظم مالية وإدارية جديدة مبنية على مفهوم اللامركزية يسهم في تضييق نطاق الإشراف والضبط الاجتماعي خلاف ما يعتقد من أن اللامركزية تقلص صلاحيات وسيطرة الأجهزة المركزية. إنها إدارة بالنتائج وليس بتطبيق الإجراءات وحسب. الوزراء الذين يودون تحقيق النجاح وخدمة الناس سيسعون لتفويض الصلاحيات ووضع معايير للأداء والتحقق من الإنجاز، أما أولئك الذين يستلذون بالسلطة الورقية والتواقيع على كل شاردة وواردة فيستحوذون على جميع الصلاحيات ويرون أنهم مركز الكون وهذا يجعلهم يقومون من حيث لا يدرون بعمل مرؤوسيهم! والنتيجة عمل كثير وإنتاج قليل!