التخطيط الصحي بين التنظير وملامسة الواقع
رسالتي هذه لمعالي وزير الصحة صاحب السيرة الذاتية التي تبهج كل ذي لب يعي معنى اجتماع الأخلاق والعلم والخبرة في شخص. أسأل الله ألا يكون الرأي زبدا "فيذهب جفاء" لأني كغيري أتمنى أن تبلغ الرسالة لتمكث في الأرض حيث تنفع الناس. عبر خمس سنوات تقريبا خصصت مقالات عدة لمناقشة الوضع الصحي بكامل منظومته وفيما يتعلق بوزارة الصحة بالذات، ولقد ذكرت أن لدينا مشكلة في التخطيط الصحي سواء على مستوى وزارة الصحة والوضع الصحي على مستوى المملكة على الرغم من أننا في وقت من الأوقات كنا قاب قوسين أو أدنى من تسيير القافلة بأسلوب مؤسساتي ممنهج يجعل البناء بتعاقب الأجيال عملية مستديمة. لقد تنقل محور العمل بين دوائر الموظف والمريض والتكاليف ولم يركز على أن وضع استراتيجية واضحة ومرنة تتضمن خططا تنفيذية قابلة للتطبيق تشمل كل الدوائر وتهتم بتقاطعاتها وما تشترك فيه لتقديم خدمات صحية تتناسب وما توافر وسيتوافر في كل زمان ومكان ولكل حالة. أعتقد أن القطاع الصحي اليوم في حاجة إلى عمليات جراحية في كثير من الشؤون كما قد يتطلب الوضع تدخلا في علاج بعض الشؤون إشعاعيا أو كيميائيا لوقف انتشار مسببات الوهن وفرض التغيير الجذري في بعض الهياكل والتركيبات حتى يتعافى بدن الصحة مما ألَمَّ به ويستمر صحيحا كما أرادته القيادة أعزها الله. قد توصف المسكنات لبعض الشؤون ولكن لفترة اجتياز مراحل مهمة جدا لأن المعروف أن المسكنات ليست علاجا.
إن التخطيط في مدييه المتوسط والبعيد أيضا كان مؤجلا ضمنا إلا أنه أحيط بهالة ضوئية علنا. أما التخطيط على المدى القصير فقد اختير له طريق الأضواء الذي جعله "أمسى خبرا" على الرغم من أنه من المفترض أن يصنع الخبر. مسيرتنا الآن تتطلب استدامة الإصلاح لا أن يكون أمرا عارضا فمن الضروري أن تدرس الاستراتيجية التي أصدرت قبل عامين وتناقش لاستشفاف الرأي العام حول أبوابها وفصولها وتحديد هويتها بين "استراتيجية" أو "خطط تنفيذية" وهل قولبت لوزارة الصحة أم وضعت لترسم ملامح النظام الصحي في المملكة؟. آن الأوان أن نستفيد من البيانات التي جمعت والمعلومات التي حفظت عبر السنين لتترجم بتحليلها العلمي إلى إصدار قرارات حاسمة يشعر بها الفرد والمجتمع صحيا واقتصاديا. حاليا ليس قلة الأسرة أو طول انتظار المريض أو كثرة الأخطاء الطبية أو انعدام الأدوية في المرافق الصحية أو تفرد كل جهة بنظام حاسوبي لإدارة المرفق الصحي بانعزالية هي ما تؤرقنا ونعتبرها ملفات ثقيلة أو مفتوحة أو ما شابه ذلك من عبارات إعلامية, إنما المشكلة هي انعدام وجود مظلة تعمل على إصدار القرار الشمولي المنسق له مع باقي المؤسسات المدنية المختلفة لأن في ظل هلامية هذه المظلة غابت جودة تشخيص الوضع ووضع الحلول الناجعة فانسقنا وراء سباق محموم لبناء أكبر عدد من المرافق وافتتاح مؤسسات كانت من شؤون مؤسسات أخرى وتنبهنا للجودة بعد أن اختلطت المهام الوظيفية وازدوجت القرارات ولم نعرف حدودا لحجم العمل. أردنا بـ "أفعل التفضيل" أن نحسم أولوية تحقيق بعض الأهداف ولكن لم نستطع ريط المراكز والمستشفيات لتوحيد السجلات مع أنها كانت في طريقها إلى ذلك، كما أن لدينا آلاف الأوراق العلمية والمقالات الصحافية والتقارير القطرية والعالمية المنشورة والمؤيدة لفوائد تبني برنامج الصحة الالكترونية. لا أدري كيف نهتم بزيادة عدد الأسرة دون أن نهتم بثقافة الفرد الصحية وأساليبه في الوقاية من العوارض المرضية ليسلم من حاجته إلى السرير أصلا. لاشك أنه يهمنا أن يكون لدينا العدد الكافي من الأطباء والممرضين وجميع الممارسين الصحيين ولكن يهمنا أكثر أن يتم تعليمهم وتخريجهم بالتوازي مع زيادة الحاجة وأن يتمتعوا بأخلاقيات المهنة وأدائها بجودة عالية وأن يكون التعاقد مع من لنا حاجة في قدراتهم عبر المتخصصين والممارسين. إن انتشار أخبار الأخطاء الطبية دل على أن هناك خللا ثقافيا قبل أن يكون مهاريا ومهنيا أو كميا وجغرافيا. كما أن مشروع "بلسم" يحتاج إلى التخصصية لنشر ثقافة الرعاية الصحية الأولية وتطبيقه بشمولية قبل أن يفرض التأمين وتختلط الأوراق. نحن الآن نحاول تحقيق الإنجاز سريعا لتخصيص الخدمات في مؤسسة عامة للمستشفيات وتأمين الأدوية عبر شركة موحدة والتعاقد مع أطباء "بالجملة" ولكن هل لدينا تصور "عن بعد" بماهية الأمراض الوبائية القادمة والمحتملة؟، وهل لدينا المرافق المخصصة لذلك؟، وهل نستطيع الجزم بما يتوافر لدينا من معايير ومقاييس وتقنية تحديد المتسبب في هذا الخطأ أو ذاك فيتم تعديل الخطأ بحرفية مهنية عالية؟. لقد تم الاجتهاد بتضخيم الهياكل على الرغم من أننا نسير للتخصيص!، ولقد طالبنا بالتوظيف إلا أننا حولناهم للمكاتب فآثروا متابعة سوق الأسهم على متابعة أحوال واحتياجات المرضى!. الآن كيف سنطبق الـ ICD 10 وبعد شهر أو اثنين سيصدر الـ ICD 11؟. كيف سنفتتح المرافق الصحية ولم ننسق مع مؤسسات المجتمع المتخصصة كيفية تناسب الإعداد والتخصصات في المرافق ومواقعها ووظائفها.
في اعتقادي أننا صنعنا العوائق بأيدينا في زمن سُخر "إكسير الحياة" لتخطيها وتذليل الصعاب، فبالغنا في الاجتهاد في كثير من القرارات الحاسمة واعتمدنا على مراجع محدودة وحكمنا على النهايات قبل أن تنجلي ملامحها وفرضنا التغيير قبل اكتمال عناصر التبرير وظننا أننا نقترب من تحقيق أفضل الأحلام. في اعتقادي هي جملة خطوات واسعة تتخذ في آن واحد ولكن لابد من تفعيل وتعزيز دور مجلس الخدمات الصحية لتحديد هوية النظام الصحي. أما خليجيا وعالميا فذلك أفق أوسع يتطلب وقفة أخرى، والله المستعان.