رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


التصدي للأزمة المالية والضغوط التضخمية

أدى نشوب الأزمة المالية العالمية إلى تراجع كبير في مستويات منح الائتمان متسبباً في انكماش قوي في الطلب الكلي على المستوى العالمي وفي معظم دول العالم. وقادت الأزمة المالية إلى هلع من انحدار الطلب الكلي والدخول إلى مستويات منخفضة. ويرتفع قلق العالم على جميع المستويات الخاصة والعامة من تحول الركود الاقتصادي الحالي إلى كساد. ويهاب المسؤولون وخصوصاً النقديون من تسبب التراجع الكبير في الطلب الكلي إلى انكماش في الأسعار يستمر لفترة طويلة ويقود إلى المزيد من التراجع في الأسعار ويؤدي إلى عزوف المستهلكين والمستثمرين عن الإنفاق. ولحفز الطلب الكلي ومداواة الأزمة المالية لجأت حكومات دول العالم إلى تبني طيف واسع من التوسعات المالية والنقدية. وتهدف تلك التوسعات إلى تشجيع الاستهلاك ودعم المؤسسات المالية وضمان استمرار أعمالها من خلال تخصيص مبالغ حكومية ضخمة لدعمها. وستأتي المخصصات الحكومية للدعم المالي من خلال إصدار كم هائل من سندات الدين وتؤدي إلى إحداث عجوزات مالية ضخمة في هذه السنة والسنوات المالية المقبلة. وتأمل الحكومات في استعادة الجزء الأكبر مما أنفقته لانتشال المؤسسات المالية من أوحال الخسائر التي وقعت فيها، وذلك عند رجوع الأمور إلى نصابها. ولا تقتصر تكاليف الأزمة المالية العالمية على المبالغ المخصصة لبرامج إنقاذ القطاع المصرفي وإنما يضاف إليها انخفاض الإيرادات الحكومية الناتج عن تراجع الإيرادات الضريبية وكذلك المخصصات الإضافية الناتجة عن اضطرار الحكومات لضخ حوافز مالية ضخمة لتنشيط الطلب الكلي في الاقتصاد. ومن المتوقع تفاقم العجوزات المالية الحكومية ووصولها إلى مستويات قياسية في كثير من دول العالم.
وللتعامل مع آثار الأزمة المالية العالمية لم تقتصر جهود دول العالم على التوسع الكبير في الإنفاق المالي بل تم تبني سياسات نقدية توسعية للحد من تكاليف الإقراض وتشجيع المؤسسات المالية على منح الائتمان. ووصلت معدلات الفائدة الأساسية إلى مستويات قريبة من الصفر في معظم الدول المتقدمة. وسيبدأ ظهور تأثير السياسات المالية والنقدية التوسعية بعد عدة أشهر. وتطرح بعض التساؤلات عن تأثير هذه السياسات في معدلات التضخم المستقبلية وإمكانية تسببها في عودة قوية لمعدلات التضخم.
ويجد متخذو القرار أنفسهم مجبرين على التصدي للتراجع الاقتصادي من خلال التوسعين النقدي والمالي. فترك الاقتصادات تتهاوى دون أي تدخل سيدفع إلى وقوعها في حالات كساد قوية تهدد الأمن والاستقرار الاقتصادي والسياسي. ويأمل متخذو القرار ألا يؤدي التوسع النقدي والمالي الكبير إلى ارتفاع معدلات التضخم مستقبلاً. ويراهن متخذو القرار لدعم سياسات التوسع المالي والنقدي على أن هذه السياسات تهدف إلى إعادة الاقتصادات العالمية التي تعمل تحت مستويات التوظيف الكامل إلى تحقيق النمو والوصول إلى التوظيف الكامل. وقد تسبب الركود الاقتصادي في تراجع اقتصادات العالم إلى مستويات تقل كثيراً عن مستويات التوظيف الكامل والذي نتج عنه ارتفاع حاد في معدلات البطالة وتراجع قوي في معدلات التضخم.
ومن المعلوم أن السياسات المالية والنقدية تتطلب بعض الوقت ليصل تأثيرها إلى عموم الاقتصاد. وإذا نجحت الإجراءات المتخذة حالياً في تحفيز الاقتصاد وتزامن تأثير التوسع النقدي والمالي وصول الاقتصاد إلى مستويات التوظيف الكامل فإن التضخم سيرتفع بحدة وستصعب السيطرة عليه. ونظراً لاختلاف دول العالم في سرعة ومقدار تأثير السياسات المالية والنقدية فإن على كل دولة تقدير حجم التأثير وتوقيته، ففي الاقتصادات المتقدمة التي تتصف بالعمق المالي يكون تأثير سياسات التوسع النقدي والمالي أقوى وأسرع. وتستغرق السياسات المالية والنقدية ما لا يقل عن ثلاثة أرباع العام للتأثير في الاقتصادات الحقيقية في الدول المتقدمة. وفي هذه الدول يصل تأثير السياسات النقدية والمالية إلى معظم قطاعات الاقتصاد، بينما يقل ويتأخر تأثير هذه السياسات في الدول النامية التي لا تملك أسواقها عمقاً ماليا (والتي منها الدول العربية بما فيها الخليجية). ويلزم الدول النامية والصاعدة التحرك بوقت أطول والإنفاق بصورة أكبر للتأثير في اقتصاداتها. وتنقص الدول النامية القدرة الفنية المتمكنة من تحديد مقدار وتوقيت المحفزات المالية والنقدية، ولهذا تشهد اقتصاداتها تقلبات قوية في معدلات التضخم.
من جهةٍ أخرى، لا يرى بعض المختصين ومتخذي القرارات بأساً من عودة الضغوط التضخمية إلى الظهور، لأنهم يعتقدون أن عودة التضخم ستساعد في التخلص من آثار الأزمة المالية وأنه أقل ألماً من الوقوع في مصيدة الكساد الاقتصادي.

وبالنسبة للمملكة قد تقود سياسة التوسعات النقدية الكبيرة التي تقوم بها مؤسسة النقد إلى عودة مخاطر التضخم المحلي للارتفاع. حيث سيؤدي تراجع مخاطر الائتمان (والتي بدأت في التلاشي) وانخفاض تكاليفه إلى عودة النمو القوي لمستويات الائتمان المحلي. ولهذا فإن المصدر الممكن القوي للتضخم في الفترة المقبلة يتركز في إمكانية اندفاع الطلب المحلي الخاص. وإذا ما أضيف إلى هذا ثبات أو ارتفاع الإنفاق الحكومي المحلي فإن الطلب الكلي قد يعود إلى الارتفاع بقوة بعد فترة تزيد على العام. ولا يبدو أن الخفض الأخير في تكاليف الإقراض الذي قامت به المؤسسة قد قاد إلى توسع نقدي كبير. ويلزم انتشار تأثير تكاليف الإقراض بعض الوقت للتأثير في الاقتصاد ككل وخفض تكاليف الائتمان المقدم للقطاع الخاص والذي سيؤدي إلى نمو قوي في الائتمان ويدفع الطلب الكلي. وأعتقد أن على دول العالم عدم التغافل عن إمكانية عودة قوية للضغوط التضخمية نتيجةً للسياسات التوسعية المالية والنقدية المتخذة الآن، ولهذا فعليها الحذر من الإفراط في مستويات هذه التوسعات المالية والنقدية واكتفائها بالمستويات اللازمة لعودة هذه الاقتصادات لمستويات التوظيف الكامل. وينبغي أيضاً تحري الدقة في توقيت تأثير هذه التوسعات وعدم تسببها في اندفاع الطلب الكلي بعيداً عن مستويات التوظيف الكامل عند عودة الاقتصادات للنمو.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي