انخفاض أسعار النفط وتداعياتها على مستقبل الإمدادات النفطية
إن ارتفاع أسعار النفط بين عام 2003 حتى منتصف عام 2008 عكس حالة جيدة جدا من النمو الاقتصادي العالمي لم يشهدها العالم منذ أكثر من قرنين. حيث ازداد الطلب على النفط زيادة كبيرة وبصورة خاصة في البلدان النامية وبالتحديد في الصين والهند ودول الخليج، وفي الوقت نفسه ارتفعت أسعار النفط إلى مستويات قياسية لم يشهدها العالم من قبل لعدة عوامل لا مجال للحديث عنها في هذا المقال. هذه التطورات في أسواق النفط حفزت الشركات النفطية العالمية والوطنية على زيادة الاستثمار لتطوير حقول نفطية جديدة وكذلك لإدامة الإنتاج من الحقول المنتجة حاليا، وذلك لسد حاجة السوق المتزايدة إلى النفط وتحقيق أرباح إضافية. ونتيجة لذلك ازداد الطلب على مواد الإنشاء، خصوصا الحديد والأسمنت، وعلى المعدات المستخدمة في الاستكشاف وتطوير الحقول والإنتاج, وبالتحديد معدات الحفر والأنابيب والعازلات وغيرها، وكذلك على الخدمات الأخرى المواكبة لهذه العمليات جميعا. إن زيادة الطلب على النفط وارتفاع الأسعار وأمن الإمدادات حفزت كذلك الاستثمار في مصادر النفط والغاز غير التقليدية، كرمال القار الكندية والسجيل الغازي ومكامن الغاز الواطئة النفاذية، العالية التكلفة مقارنة بمصادر النفط والغاز التقليدية. جميع هذه العوامل، دفعت الشركات العالمية والوطنية إلى التنافس في تطوير وتشييد حقول جديدة من أجل إدامة وزيادة الإنتاج، ما أدى إلى نقص حاد في الطاقات والموراد المتاحة في جميع مرافق الصناعة النفطية، الاستخراجية، التحويلية، الخدمات وإنشاء المعدات وبناء المشاريع، ونتيجة لذلك، ارتفعت أجور هذه الخدمات وازدات تكاليف المشاريع. وكانت للإجراءات التي اتخذتها الصناعة النفطية خلال فترات انخفاض الطلب على النفط وانخفاض أسعار النفط آثار سلبية كبيرة في وفرة الطاقات والموراد المتاحة ليس فقط فاقمت من الأزمة، بل كانت أحد أهم العوامل المسببة لها.
ولكن بعد مرور نحو سبعة أشهر على الأزمة الاقتصادية التي عصفت بمعظم دول العالم, خصوصا الصناعية, وانخفاض أسعار النفط انخفاضا حادا .. ماذا سيكون عليه مستوى تكاليف تطوير الحقول النفطية وتشغيلها في ظل الأسعار الجديدة للنفط؟ وما تداعياتها على مستقبل الإمدادات النفطية؟ وماذا سيكون رد فعل الصناعة النفطية؟
من الصعب جدا تقدير متى وإلى أي مستوى ستنكمش تكاليف التطوير في المشاريع النفطية. نعم إن أسعار عديد من المواد الخام، مثل الصلب والأسمنت، انخفضت بشكل حاد في الأشهر الأربعة أو الخمسة الأخيرة نتيجة للأزمة الاقتصادية العالمية. لكن مع ذلك، سيكون هنالك فارق زمني كبير لهذه العوامل لتسهم في خفض تكاليف المنتج النهائي للمعدات النفطية، أبراج الحفر، مرافق الإنتاج، خطوط الأنابيب، وغير ذلك، لأسباب كثيرة من أهمها، أن الطاقات الإنتاجية لتصنيع بعض هذه المعدات محجورة حاليا بالكامل لمدة سنتين إلى ثلاث سنوات.
بعض تكاليف الحفر، التي تعتمد بشكل كبير على الأسعار اليومية لأبراج الحفر، من المتوقع أن تنخفض بسرعة كبيرة نسبيا, حيث إن طاقات أسطول الحفر ليست مستغلة بشكل كامل وعلى أساس منتظم. وبهذا المستوى من الوفرة في معدات الحفر المستخدمة، سيكون هناك مزيد من المنافسة التجارية بين شركات الحفر لتخفيض الأسعار، خصوصا تلك العاملة في الحقول البرية onshore في أمريكا الشمالية. على النقيض من ذلك، هناك طلب كبير على الحفارات البحرية ذات المواصفات العالية, التي معظمها مؤجرة بموجب عقود طويلة الأجل. وهذا يعني أن في بعض القطاعات، خصوصا تلك التي تستخدم هذه الحفارات، مثل المياه العميقة، أن تكاليف التطوير قد تستغرق وقتا أطول قبل أن تنخفض. ولكن عددا كبيرا من أجهزة الحفر الجديدة من المتوقع أن تنضم إلى السوق اعتبارا من عام 2010.
لهذا فإن الوضع بالنسبة لتكاليف التطوير والإنتاج، ومتى وإلى أي مستوى سينكمش، معقد للغاية – حيث إن معدلات استجابة العناصر المختلفة لهذه التكاليف مختلفة ولها تأثيرات متفاوتة في كل من تكاليف التطوير، وأسعار النفط العالمية السائدة. ومع ذلك، وعلى الرغم من وجود عديد من الاستثناءات، حيث إن بعض المشاريع ستشهد انخفاض التكاليف في وقت مبكر، من المتوقع أن تحتاج التغيرات الكبيرة في تكاليف التطوير والإنتاج من ستة إلى 12 شهرا، للاستجابة الكاملة للمتغيرات في أسعار النفط العالمية السائدة حاليا.
لقد أكد البعض أن تكاليف الاستكشاف والإنتاج ارتفعت بدرجة كبيرة، جعلت من المستبعد على أسعار النفط أن تقل عن حدود معينة، هذه الحدود تعكس مستوى تكاليف تطوير المشاريع النفطية الجديدة. نعم قد يكون لسعر النفط علاقة بمستوى تكاليف تطوير المشاريع النفطية الجديدة الأكثر تكلفة، والتي قد تلعب دورا في تحديد مستوى معين لأسعار النفط، لكن مع ذلك، هذه التكلفة ليست ثابتة، لكنها في الوقت نفسه تتأثر بأسعار النفط السائدة، على سبيل المثال عندما كان سعر النفط قرب 150 دولارا / للبرميل الواحد، الصناعة النفطية كانت تستثمر في مشاريع ذات تكلفة في حدود 70 دولارا /برميل إلى 90 دولارا /برميل، وذلك بسبب النقص الحاد في الطاقات والموراد المتاحة في جميع حلقات الصناعة النفطية، الاستخراجية، التحويلية، الخدمات وإنشاء المعدات وبناء المشاريع، كما أسلفنا. بينما اليوم الصناعة النفطية تستثمر في مشاريع ذات تكلفة قصوى في حدود 50 دولارا /برميل أو أقل. ويعود السبب لذلك، على الأقل جزئيا، نتيجة لإلغاء أو تأجيل بعض أكثر المشاريع تكلفة، وهذا بدوره خفض تكلفة المشاريع الهامشية الاكثر تكلفة marginal cost projects، وفي الوقت نفسه وفر مزيدا من الموارد لمشاريع أخرى. إضافة إلى ذلك، فإن الشركات النفطية قامت بتقليص النفقات, خصوصا على المشاريع الأقل ربحية والعالية التكلفة.
وبالفعل وتيرة النمو في المشاريع النفطية العالمية انخفضت بصورة كبيرة، حيث إن أكثر من 5.0 ملايين برميل يوميا من الإنتاج، التي كان من المتوقع أن تكون في الأسواق بحلول عام 2013 قد أرجئت حاليا. كما أن مزيدا من المشاريع النفطية الأخرى من المتوقع أن تتأخر أو قد تلغى في الأشهر القليلة المقبلة، إذا بقيت أسعار النفط عند المستويات الحالية.
على الرغم من ذلك، فإن زيادة الطاقة الإنتاجية النفطية العالمية سيستمر في المديين القريب والمتوسط، ولكن سيكون أبطأ مما كان متوقعا سابقا. في الحقيقة سيكون تأثير تداعيات الأزمة الاقتصادية العالمية الراهنة أكبر في المدى المتوسط منه في المدى القريب، وذلك لكون المشاريع التي تم بدأ عمليات التشييد فيها, التي من المتوقع أن تبدأ في الإنتاج أو بدأت فعليا ستستمر. أما في المدى البعيد، فمن المتوقع أن ينتعش من جديد النمو في المشاريع النفطية.