لا تقلق.. سنتصل بك بعد سنوات

"اليوم هو الغد الذي كنت قلقا عليه أمس"
الكاتب الأمريكي دايل كارنيجي

انتشر في أوروبا في تسعينيات القرن الماضي إعلان لشركة منتجات رياضية كبرى، عبارة عن سؤال وجواب. السؤال هو: ما أسهل وظيفة في العالم؟ الجواب: أن تكون حارس منتخب إيطاليا لكرة القدم! والذين يتابعون كرة القدم، يعرفون أن السؤال وجوابه، هو كناية عن أن دفاع المنتخب الإيطالي هو الأقوى على الإطلاق، ولذلك يستحيل وصول الكرة إلى الحارس، الذي يمكنه (لو سمحت له القوانين الرياضية) الجلوس على كرسي – خلال المباراة - وارتشاف ما أمكنه من فنجانين "الإيسبريسو" حتى تنتهي!. وإذا استوحينا سؤالا من "البحر الواسع" للأزمة الاقتصادية العالمية الحالية، وطرحناه معكوسا على الشكل التالي: ما أصعب وظيفة في العالم؟. سيكون الجواب بلا شك: أن تكون موظفا في شركة كبيرة أو متوسطة أو صغيرة، ومكلفا بوضع قائمة بأسماء الموظفين الذين ستتخلص شركتك منهم!. فحتى لو كنت ذلك الموظف الذي يتمتع بقدرات دفاع المنتخب الإيطالي نفسه، لن تستطيع التملص من هذه المهمة الصعبة، إداريا وأخلاقيا وعاطفيا.
في عصر الازدهار وزمن "الطفرات" الاقتصادية، لغالبية الناس وظائف وأعمال يقومون بها، لكن في بؤرة الانهيار الاقتصادي، الناس يدخلون أبشع مراحل "التقاعد".. لماذا؟ لأن التقاعد الطبيعي لا يأتي في عز الشباب أو ما قبل الـ 60 من العمر. يضاف إلى ذلك أن "التقاعد المرحلي"، تعم فيه أحاسيس الانتظار القاتل وثقل الأمل. فالأمل كما يقول الأديب البريطاني فرانسيس بيكون: "هو إفطار جيد.. لكنه عشاء سيئ". في عصر الازدهار يزداد الطلب على الوظائف، وفي زمن الكوارث الاقتصادية يزداد طالبوا الوظائف. وكما تتغير الأزمنة، تتغير صيغ الرد على الباحث عن عمل. ففي الحالة الأولى يقولون بصوت مرتفع: سنتصل بك لاحقا. أما في الحالة الثانية فيقولون بصوت أقرب إلى الإيماء: سنتصل بك بعد سنوات!. نعم لأن عودة النمو – ولا أقول عودة الازدهار- لن تتم قبل عدة سنوات. فهي تتأرجح بين ثلاث وخمس سنوات، وإذا ما أضفنا إلى التقدير الأعلى عامين، فإن مدة تعافي الاقتصاد العالمي ستبلغ سبع سنوات. ولكي لا أتهم بأنني من المتوقعين "المظلمين أو الظالمين". أستنجد بما قاله عضو مجلس محافظي البنك المركزي الأوروبي آركي ليكانن. ماذا قال؟: " إن أسوأ مراحل الأزمة ربما لم يأت بعد. لا لن أقول إن الأسوأ قد مر". وكان وزير المالية الألماني بيير شتاينبروك قد سبقه بقول أشد فداحة، عندما أعلن بوضوح وجرأة: "نحن لا نسيطر على الأزمة"!.
وإذا كان الأول يخمن، والثاني يهول – على الرغم من مكانة الرجلين وموقعيهما – لعل الأرقام تقدم صورة جلية وواضحة في "طلتها"، لكنها قاتمة.. وقاتمة جدا في مضمونها. أكثر من 51 مليون شخص سيفقدون وظائفهم مع نهاية العام الجاري، ليرفعوا نسبة البطالة عالميا إلى 7.1 في المائة، مقارنة بـ 6 في المائة في العام الماضي، و5.7 في المائة في عام 2007 الذي سبقه. هذه هي معدلات منظمة العمل الدولية، لا تقديرات شخص جالس في مقهى ويرمي الأرقام في كل الأرجاء. في يوم واحد من أيام شهر كانون الثاني (يناير) الماضي قامت شركات من كل القطاعات في الولايات المتحدة وأوروبا، بتسريح 70 ألف موظف وعامل. ومع نهاية الشهر نفسه، بلغ عدد المسرحين من أعمالهم أكثر من مليونين. وفي الولايات المتحدة خسر أكثر من 2.6 مليون شخص وظائفهم في العام الماضي، لتصل هذه الخسارة إلى أعلى مستوى لها منذ عام 1945، أي العام الذي انتهت فيه الحرب العالمية الثانية. ففي لمح البصر تحول العامل الذي يصنع الآليات الضخمة التي تهد الجبال في شركة كاتير بلار الأمريكية - على سبيل المثال - إلى رعاية أطفاله الصغار في المنزل. والأمثلة كثيرة، لأن التسريحات طالت كل القطاعات. لكن الكارثة لا تقف عند هذا الحد، بل تشمل حتى أولئك "الأبطال" الذين يستطيعون الحفاظ على وظائفهم.. كيف؟. لأن الدخل سيشهد تدهورا، ومعه تتداعى ظروف العمل, وبذلك تتحول القضية من الاحتفاظ بالوظيفة إلى الحفاظ على مكتسباتها، وهذه من أصعب المهام في ظل الكساد وتبعاته، فضلا عن أنها تخلق أشد الضغوط الإنسانية والنفسية.
المنطقة العربية – كالعادة في مثل هذه المناسبات - تصدرت مشهد الـ 51 مليون موظف ينتظرون أوراق تسريحهم. فقد بلغ معدل البطالة في شمال إفريقيا والشرق الأوسط العام الماضي 10.3 في المائة، وإذا ما عرفنا أن معدل البطالة شبه الدائم في العالم العربي وحده يصل إلى 15 في المائة، فإننا نستطيع أن نتصور ماهية فصول "المسرحية الاجتماعية العربية"، ونستطيع التنبؤ بالمشهد تلو الآخر. لقد تم الاستغناء عن 45 ألف موظف وعامل في شركات خليجية منذ أيلول (سبتمبر) من العام الماضي، وتقدر مؤسسة أدفانتج للاستشارات الإدارية، تسريح أكثر من 120 ألف آخرين في العام الجاري، كما تتوقع أن ينخفض أداء حركة التوظيف ما بين 26 إلى 30 في المائة، في العام نفسه, فالمشاريع الضخمة تتراجع، والأعمال الصغيرة تسير معها، لأن الرابط بينهما حتمي. والذي يعزز هذه التقديرات، تقديرات أخرى بأن قيمة المشاريع التي ألغيت، وتلك التي تأجلت تتأرجح ما بين 150 إلى 400 مليار دولار أمريكي في المنطقة العربية ككل، ومن هنا ستضيق المساحة أمام الموارد البشرية، وستعم الحاجة، خصوصا أن أسلحة مواجهة البطالة في العالم العربي، تشبه إلى حد بعيد، الأسلحة التي حارب بها العرب العصابات اليهودية في فلسطين في منتصف أربعينيات القرن الماضي، وكانت النتيجة، حصول اليهود على وطن – ليس لهم - كانوا يحلمون به.
نحن نعرف أن أي خطة للإنقاذ تحتاج إلى وقت قد يطول وقد يقصر. فخطة الرئيس الأمريكي باراك أوباما البالغة نحو 800 مليار دولار أمريكي لدعم اقتصاد بلاده – مثلا - لن تنجح في توفير فرص العمل قبل عام من الآن، وهناك من يقول إن بداية تأثيرها لن تظهر قبل عام ونصف العام. ونعرف أيضا.. أن دولا منكوبة بفعل الأزمة الاقتصادية، وضعت مخططات – قد تنجح وقد تخفق - لمواجهة "بطالة المستقبل القريب". لكن هل هناك خطة عربية موحدة (أو أحادية) لمواجهة أعداد العاطلين القادمين إلى سوق البطالة؟

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي