ضعف الوعي المحاسبي والثقافة المالية لدى كبار التنفيذيين يحرج الماليين
من خلال تجارب شخصية ومن قصص يرويها بعض الأصدقاء ممن يعملون في وظائف مالية قيادية أو متوسطة, أستطيع القول إن هناك ضعفا في الوعي المحاسبي والثقافة المالية لدى شريحة لا بأس بها من كبار التنفيذيين وأعضاء مجالس الإدارة والملاك بشكل عام، ويمكن اكتشاف ذلك أثناء مناقشة أي بيانات مالية, فهم غالبا ما يميلون إلى محاولة تعديل بعض الأرقام أو تغيير أسماء بعض البنود أو دمج بنود بعضها مع بعض، أو اقتراح تعديلات في المعالجة المحاسبية، ويعتقدون أن من صلاحياتهم تعديل طريقة إعداد البيانات المالية وطريقة عرضها, حتى طريقة المعالجة المحاسبية نفسها.
أغرب القصص التي واجهتها شخصيا عن مدير عام يسأل عن الأرباح أين هي؟ ويقصد بذلك أن الشركة حققت أرباحا صافية تبلغ على سبيل المثال عشرة ملايين ريال ورصيد النقدية في البنك لا يتجاوز مليوني ريال، ومثل هذا السؤال يعد مقبولا لو جاء من رجل لا علاقة له بقطاع المال والأعمال لكن من المستغرب أن يأتي من رجل أعمال.
سؤال آخر ليس ببعيد عن السؤال الأول شركة ما تربح 100 مليون ريال وتقترح توزيع 40 مليون ريال أرباحا للمساهمين، وحيث إن السيولة غير متوافرة بسبب مشاريع الشركة التوسعية فهي ستلجأ إلى الاقتراض من البنوك لتوفير المبلغ المطلوب، لكن ذلك الإجراء تتم معارضته بشدة من قبل مجلس الإدارة, والسبب تساؤلهم: أين ذهبت أرباح الشركة؟
مدير مالي في إحدى شركات النقل أعد قائمة الدخل للشركة واكتشف المدير العام أن مصروف الاستهلاك أكثر البنود تأثيرا في ربحية الشركة فاعترض عليه وطالب مديره المالي بعدم حساب مصروف الاستهلاك لشاحنات الشركة التي لم تعمل بحجة أنها لم تستهلك فعليا!
شركة أخرى يحاول أعضاء مجلس إدارتها رفع العمر الإنتاجي المقدر للأصول لتحسين الربحية، كيف يستطيع المدير المالي أن يقنعهم أن مثل هذا الأمر مخالف للمعايير المحاسبية ويتطلب في حال إقراره سلسلة إجراءات طويلة تطول القوائم المالية للسنوات السابقة وأسباب مقنعة يمكن الارتكاز إليها؟
ضعف الثقافة والوعي المالي للتنفيذيين الكبار أو الملاك له سلبيات خطيرة على نتائج الأعمال ومسيرة المنشأة، وعدم قدرتهم على قراءة البيانات أمر لا يمكن تفهمه، إلا أن هذا ليس حديثنا اليوم، فحديثنا هو عن الحرج الذي يقع فيه الماليون بشكل خاص عند مناقشة البيانات المالية مع الإدارة العليا أو مجلس الإدارة، فهم لا يستطيعون من جهة إقناع مجلس الإدارة بأن كثيرا من ملاحظاتهم أو توجيهاتهم لا يمكن تنفيذها على أرض الواقع لمخالفتها معايير المحاسبة المعتمدة, ومن جهة أخرى لا يمكنهم الاعتراض أو رفض تعليمات الإدارة العليا.
لو ترك للماليين فرصة لشرح وجهة نظرهم لاستطاعوا إقناع مجالس الإدارة بأن ما قاموا به من إجراءات هو الصحيح, لكن المشكلة تكمن في أنهم عندما يحضرون الاجتماعات يتلقون التوجيهات ولا يمنحون فرصة الحديث إلا نادراً.
كثير من الإشكالات التي تقع بين الشركات والمراجع الخارجي سببها تعديلات مالية تمت بموجب تعليمات الإدارة العليا قام بها الماليون دون قناعة منهم, وفي بعض الأحيان قاموا بها مرغمين لا مخيرين، وهذا ينتج عنه إشكالية أخرى مع الإدارة العليا, التي ربما تعتقد أن مراجع الحسابات الخارجي أخذ هذه الملاحظات من المدير المالي لعلمهم المسبق بمعارضته لها، فهم في الغالب يعتقدون بصواب رأيهم وأن الأمر أوسع من أن يتم حصره في إجراء واحد، كما أنهم لا يدركون في الغالب أن معايير المحاسبة تعد دستور المحاسب الذي لا يستطيع أن يخالفه وأن هناك قواعد لآداب المهنة وسلوكياتها لا يستطيع المحاسب إلا أن يلتزم بها.
في السنوات القليلة الماضية استطاع عديد من السعوديين الوصول إلى مستويات مهنية عالية في مهنة المحاسبة، وأستطيع بكل ثقة أن أقول إن الكفاءات الوطنية في هذه المهنة المهمة تعد من أفضل الكفاءات الموجودة في العالم العربي تأهيلاً، وهو ما يتطلب منحهم مزيدا من الثقة والتقدير من قبل ملاك المنشآت وكبار التنفيذيين، فالعمل الذي يقومون به ليس عملاً روتينيا, كما يعتقد البعض, لكنه عمل مهني في غاية الحساسية.
الفجوة بين الماليين وكبار التنفيذيين لا يمكن ردمها إلا بأمرين، الأول أن يثق التنفيذيون بالماليين وبما يقومون به من إجراءات, وهذا لا يعني التسليم والقبول دون مناقشة أو استفسار أو حتى سؤال خبراء من خارج الشركة في بعض الأحيان, أما الأمر الآخر فهو انخراط غير الماليين من كبار التنفيذيين في دورات في مهنة المحاسبة والمراجعة, فهي ستساعدهم على فهم ما يقوم به الماليون في شركاتهم.