سوق النفط: ضعف في الطلب وتراجع الإمدادات واضمحلال للاستثمارات
خفّضت الدول الأعضاء في منظمة الأقطار المصدرة للنفط (أوبك) إنتاجها بنحو مليون برميل يوميا في الشهر الماضي، وفق تقديرات النشرة النفطية المتخصصة "ميس". وعليه فإذا كانت هناك رغبة في التقيد بالسقف الإنتاجي البالغ 24.84 مليون برميل يوميا، فإن هناك حاجة ومجالا لخفض 1.7 مليون برميل أخرى وذلك قبل اجتماع المنظمة المقرر الشهر المقبل في فيينا. وحتى الآن قامت كل من السعودية، الكويت، والإمارات بالإعلان عن استعدادها للقيام بالمزيد من الخفض هذا الشهر، وإلى معدلات تقل عن الحصة المخصصة لها، بينما تدفع ضغوط الحاجة إلى المزيد من العائدات المالية بعض المنتجين الرئيسيين إلى التقيد بحصصهم الإنتاجية مثل إيران وفنزويلا ونيجيريا. ويعني هذا أنه خلال شهرين تم سحب 2.6 مليون، الأمر الذي أسهم في تحقيق شيء من الاستقرار لسعر البرميل عند نحو 40 دولارا.
وكان عبد الله سالم البدري الأمين العام للمنظمة قد أعلن لصحيفة فاينانشيال تايمز أنه ما لم تتحسن الأسعار قبل الاجتماع المقبل للمنظمة في آذار (مارس)، فإنهم لن يترددوا في اتخاذ موقف آخر وخفض آخر إضافي، رغم أنه يرى أن الدول الأعضاء قامت بتنفيذ 80 في المائة من التزاماتها خفض الإنتاج.
وكان البدري ووزير النفط الإماراتي محمد الهاملي قد حددا أثناء حضورهما مؤتمرا نفطيا في لندن، أن السعر العادل للبرميل يراوح بين 60 و80 دولارا، وهو ما يتسق مع ما أعلنته السعودية من قبل أن يكون سعر البرميل 75 دولارا. وأضاف البدري أنه ما لم يتحسن السعر بصورة واضحة فإن مشكلات عديدة ستنبع في المستقبل من قلة الاستثمارات لتطوير الحقول، فالسعر الحالي للبرميل يغطي فقط تكلفة الإنتاج.
وإذا كان اجتماع الشهر المقبل سينظر في كيفية المضي قدما في خفض نسبة 20 في المائة المتبقية، إلا أن بعض المحللين، مثل ليو درولاس من المركز العالمي للطاقة في لندن، يرى أن المنظمة لا تحتاج إلى خفض إضافي للإنتاج وإنما إلى تقيد أكثر ببرامج الخفض المعلنة.
الوكالة الدولية للطاقة التي تمثل مصالح 28 دولة مستهلكة رئيسية للنفط في العالم، أصدرت الأسبوع الماضي تقريرها الدوري الذي رسمت فيه صورة كئيبة للوضع، فهي أرجعت من ناحية استقرار سعر البرميل بين 40 و45 دولارا إلى التخفيضات التي قامت بها الدول الأعضاء في المنظمة، وحددت حجم تقليص الإنتاج بـ 950 ألف برميل يوميا، عدا إندونيسيا، وهي تقدر معدل إنتاج (أوبك) في وضع يقل فيه عما كان عليه قبل عام بنحو 1.7 مليون برميل يوميا، لكنه في الوقت ذاته أعلى من السقف الذي اعتمدته المنظمة لإنتاجها بنحو مليون ونصف المليون برميل.
على أن الوكالة قدرت أن حجم الطلب على النفط هذا العام سيكون أقل من توقعاتها السابقة بنحو 570 ألف برميل يوميا، وهو التخفيض السادس على التوالي الذي تقوم به الوكالة في سلسلة تقديراتها الشهرية، وجاء هذا الخفض إثر قيام صندوق النقد الدولي بخفض توقعاته للنمو الاقتصادي.
ويضع التقدير الأخير للوكالة حجم الطلب في حدود 84.7 مليون برميل يوميا، وهو ما يعني حدوث تراجع للعام الثاني على التوالي في حجم الطلب وذلك منذ عام 82/1983. وتتضمن التراجعات تقليص تقدير الإمدادات من خارج (أوبك) بنحو 20 ألف برميل العام الماضي ترتفع إلى 110 آلاف هذا العام، الأمر الذي يجعل حجم الإمدادات من خارج (أوبك) في حدود 50.9 مليون، ولو أنها تسجل نموا فعليا في حدود 400 ألف برميل، ويجعل هذا من الطلب على نفط (أوبك) للإمدادات المباشرة وتحركات المخزون في حدود 28.8 مليون برميل.
رغم من موجة الشتاء القوية التي بدأت مبكرة في النصف الشمالي من الكرة الأرضية، إلا أن معدل المخزون لدى دول منظمة التنمية والتعاون الدولي لا يزال عاليا، ويصل وفق أرقام الوكالة الدولية للطاقة إلى 2.673 مليون برميل، متراجعة 20.1 مليون في كانون الأول (ديسمبر) الماضي، وهو ما يجعل هذا الحجم من المخزون يغطي 57 يوما من الاستهلاك، وهو ما يزيد 4.5 يوم عما كان عليه خلال الفترة نفسها من العام الماضي.
على أن دخول التخفيضات التي أقرتها (أوبك) حيز التنفيذ بصورة أقوى منذ مطلع العام واستمرار فصل الشتاء خلال هذه الفترة يمكن أن يدفع بحجم المخزون المتوافر إلى أسفل، الأمر الذي يمكن أن ينعكس على سعر البرميل، فالمخزون شكل دائما عنصر ضغط على هيكل الأسعار خاصة عند تجاوزه لغطاء الاستهلاك العادي المقدر بـ 52 يوما، ولو أنه في الأسبوع الأول من الشهر الحالي قفزت المخزونات الأمريكية 4.7 مليون برميل، وهو ضعف ما كان يتوقعه محللو السوق.
من ناحية أخرى، فإن التراجع في الطلب يرفع من حجم الطاقة الإنتاجية الفائضة لدى (أوبك) إلى 4.4 مليون برميل يوميا، واضمحلال هذه الطاقة كان دائما أحد أسباب ارتفاع سعر البرميل، وكبر حجمها ظل بالمستوى نفسه عنصر ضغط لإبقاء السعر منخفضا.
تقرير الوكالة المشار إليه لخص وضع السوق الحالي أنه يتحرك ما بين سوء الوضع الاقتصادي الذي يؤثر في الطلب، وإمكانية حدوث ضعف في الإمدادات بسبب تزامن أزمة الائتمان من ناحية واحتياج الدول الأعضاء إلى المزيد من العائدات المالية لمقابلة التزاماتها المباشرة بدلا من تخصيصها للإنفاق على مشاريع تطوير الطاقة الإنتاجية. ولخّص الأمين العام للمنظمة عبد الله البدري الوضع أثناء محاضرة له في شاتهام هاوس في لندن مطلع هذا الشهر عندما أوضح أن المنظمة قامت العام الماضي باستثمار 40 مليار دولار في التوسعة أو إقامة مشاريع جديدة في ميدان العمليات الأمامية، في الوقت الذي كان فيه الطلب مرتفعا والدعوات تترى لأعضاء (أوبك) أن يزيدوا من إمداداتهم ووسائل التمويل متوافرة.
الخطط الموضوعة تقضي بإنفاق 2.8 تريليون دولار حتى عام 2030، لكن بسبب المتغيرات التي شهدتها السوق خلال الأشهر القليلة الماضية، فإن 35 مشروعا تم تأجيلها أو تعطيلها بصورة نهائية، وستكون العودة إليها مرتبطة بتحركات سعر البرميل إلى أعلى، علما أنه كانت هناك 150 مشروعا مخطط لها أن تدخل دائرة التنفيذ خلال عقد من الزمان، كما يقول البدري.
وكان وزير النفط السعودي علي النعيمي قد أشار إلى هذا في لقاء له في هيوستون إبان لقاء نظمته رابطة كامبريدج لأبحاث الطاقة، عندما حذر من السيناريو الكارثة وذلك بتوجيه الاستثمارات إلى مجال الطاقة الخضراء والمتجددة التي تبعث بآمال كبيرة لا يتم تلبيتها وفي الوقت ذاته تقل تلك المتجهة إلى ميدان الطاقة الأحفورية وتحدث فجوة لابد من الانتباه إليها كي لا تؤدي إلى حدوث انقطاع في الإمدادات يكون في حد ذاته عنصر دفع للأسعار إلى أعلى، إلى جانب عدم تأمين الإمدادات، وهو ما يؤثر في الوضع الاقتصادي عامة والصناعة النفطية بصورة خاصة.