رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


الاستراتيجية الصناعية بين المصلحة الوطنية والمصالح الخاصة

تأتي مبادرة وزارة التجارة والصناعة بإعداد الاستراتيجية الصناعية الوطنية لتنمية القطاع الصناعي في السعودية حتى عام 2020 م بعد طول انتظار، ولكن كما يقال الحصول على الشيء متأخرا أفضل من عدمه! الاستراتيجية تستهدف تنويع القاعدة الاقتصادية الوطنية الحلم الذي ظل يراودنا لعقود، ليتحول مع مرور الزمن إلى عبارة نزين بها تقاريرنا الاقتصادية وتصريحاتنا في جميع المناسبات وتتصدر خططنا التنموية وسياساتنا الاقتصادية منذ الستينيات من القرن الماضي وحتى وقتنا الحاضر، وأتمنى أن نكون هذه المرة جادين في التطبيق وليس للاستهلاك الإعلامي أو الحصول على الدعم والمخصصات المالية. أشارت الاستراتيجية إلى أهمية إقامة كيان اقتصادي قائم على المعرفة وهو أمر ضروري في ظل التطور التقني، إلا أنه يجب ملاحظة أن التوجه نحو الاقتصاد المعرفي والرقمي يستلزم نظما إدارية تعتمد على الشفافية وتوفير المعلومات وإعادة تثقيف داخل منظمات الأعمال والتحول إلى منهج أكثر مرونة واستجابة للمستهلكين وجعل قراراتهم الاستهلاكية عن علم ودراية بجميع الخيارات والفرص المتاحة. أمر في غاية الأهمية أكدت عليه الاستراتيجية وهو تعظيم القيمة المضافة للموارد الطبيعية وتبني أساليب مبتكرة للتنمية، وهذا يعني الاتجاه نحو الصناعات التحويلية وتطوير القدرات الإنتاجية للعمالة الوطنية ودعم واحات ومراكز البحوث في الجامعات السعودية كمرتكز أساس في عملية التطوير، وبالتالي يلزم العمل ليس فقط على تعزيز التعاون مع الجامعات ولكن أيضا الدفع نحو إعادة هيكلة الجامعات وتحويلها إلى مؤسسات غير ربحية بمجالس أمناء يشارك فيها رجال الأعمال والمسؤولون الحكوميون ونخبة من العموم. الاستراتيجية تطرقت إلى التنمية المتوازنة كأحد محاورها، وفي هذا الصدد لا بد من التنوية بأهمية الموازنة بين المركزية واللامركزية والتمييز بين أدوار ومسؤوليات المستويات الإدارية الوطنية والإقليمية والمحلية في عملية صنع القرارات التنموية، فالتنمية المحلية جذور للتنمية الوطنية ولا يصح الاستمرار في أسلوب التخطيط من أعلى إلى أسفل دون مداخلة من الإدارات على مستوى المناطق والمحافظات فيما يخصها من مشاريع. الاستراتيجية أكدت على تشجيع الاستثمار الداخلي وجذب مزيد من الاستثمارات الأجنبية، وأهمية الشراكة بين الدولة والقطاع الخاص في مجال التنمية الصناعية.
 الاستراتيجية التي اقترح تخصيص 40 مليار ريال لتنفيذها يتوقع أن تحقق تحولا نحو الصناعات التقنية بما نسبته 60 في المائة، كما تستهدف تحقيق نسبة توظيف للعمالة السعودية في القطاع الصناعي تصل إلى 30 في المائة، ورفع نسبة الصادرات الصناعية إلى 35 في المائة من إجمالي الصادرات السعودية، إضافة إلى تحقيق معدل مركب للقيمة المضافة يصل إلى 8 في المائة سنوياً، ويأتي ذلك من أجل زيادة مساهمة الصناعة السعودية في إجمالي الناتج المحلي لتصل إلى 20 في المائة بحلول عام 2020. هذه الأهداف تبدو جذابة ولكن غامضة في الوقت نفسه! فهل المقصود بالتحول إلى الصناعات التقنية في إنتاج سلع تجميعية مثل تجربتنا في الصناعات الغذائية وغيرها من الصناعات، حيث يتم استيراد جميع المواد الأولية والعمالة الرخيصة ويطبع على المنتج "صنع في السعودية"! ويكون رجال الأعمال المستفيد الوحيد من القروض السخية التي تمنحها الدولة! ولذا لم يكن مستغربا أن ترتفع نسبة البطالة في اقتصاد غني وقوي! إن الهدف من أي استراتيجية أو سياسة حكومية هو رفع المستوى المعيشي للمواطن وتهيئة الظروف الملائمة للمشاركة الفاعلة في النشاط الاقتصادي وآلية لإعادة توزيع الدخل ليعم الخير الجميع بدلا من استحواذ فئة صغيرة من المجتمع على الثروة! المبدأ هنا أنه لا بأس أن يزيد الغني غنى شرط أن يكون ذلك في صالح الفقير، هذا يعني أن يساعد ويشجع صاحب رأس المال على بناء مشروعه الصناعي إذا كان ذلك سيؤدي إلى تحسين المستوى المعيشي لمن هم أقل حظا في المجتمع عبر زيادة عدد الوظائف ذات الدخول العالية. الاستراتيجية تتوقع زيادة في عدد العمالة السعودية يصل 30 في المائة، وهذه نسبة متدنية إذا ما قورنت بحجم الدعم الحكومي المطلوب وهو 40 مليارا!
لا شك أن الاستراتيجية أمر مطلوب بل ضروري لتوحيد الجهود واستخدام الموارد استخداما كفؤ ولكن الأهم آلية التطبيق. وعلى الرغم من أن الاستراتيجية تتبنى ثمانية محاور أساسية، وهي محاور مهمة إلا أن المطلوب إضافة إلى ذلك تحديد الأدوار والمسؤوليات ومعايير الأداء العامة حتى لا نقع في شرك التأويلات التي عادة ما تكون لصالح المتنفذين وأصحاب المصالح. ما يخشى هو أن يكون هناك امتداد لثقافة متجذرة في القطاع الخاص في الاعتماد على الدعم الحكومي أو بالأصح الضمان الحكومي على غرار الضمان الاجتماعي!على سبيل المثال قد يقصد بمحور البيئة الكلية والأعمال والاستثمار تسهيل الإجراءات الحكومية والدعم والتحفيز المالي وهو متطلب أساس في التنمية الصناعية، ولكن ينبغي ألا يختزل في هذا المفهوم الضيق بل يتعداه إلى البحث عن أساليب ووسائل تزيد مشاركة عموم المواطنين في الاستثمار الصناعي، إضافة إلى تخصيص أسهم في الشركات الصناعية للعاملين لزيادة انتمائهم وتحفيزهم للعمل والجد والاجتهاد، ما يحقق بيئة عمل منتجة.
ولأن الاستراتيجية متوسطة المدى تستغرق عشر سنوات، كان من المفترض تحديد عدد من الصناعات المستهدفة يتم التركيز عليها ودفع المستثمرين نحوها، تماما كما فعلنا في التنمية الزراعية حينما تم توجيه الاستثمار نحو زراعة القمح حتى بلغ الإنتاج مستويات عالية مكن من التصدير لدول مثل روسيا والصين. وبغض النظر عن سلبيات سياسة تشجيع زراعة القمح خاصة فيما يتعلق باستنزاف المياه الجوفية إلا أن الدرس المستفاد هو أن تحديد الهدف بشكل دقيق والدفع نحوه يؤدي إلى تحقيقه في زمن قياسي ويسهم في إحداث تغيير ثقافي وقبول للدخول في استثمارات صناعية جديدة. ما يهم في هذا السياق هو تحديد صناعات وليس مصانع متشرذمة دون رابط صناعي. نموذجين يمثلان تطوير للصناعة ويلزم الاستفادة منهما كتجربتين ناجحتين. الأولى: صناعة البتروكيماويات، حيث إن هناك تشابكا وترابطا بين مدخلات ومخرجات مجموعة من المصانع كل واحد منها يلبي احتياجات الأخرى. النموذج الآخر صناعة الألبان وهي صناعة أصيلة تم توطينها تعتمد على الموارد المحلية يتداخل فيها عدة صناعات هي الألبان والأعلاف والتغليف والنقل والتخزين والتسويق.
الاستراتيجية هي استراتيجية وطنية في المقام الأول ويجب أن تخدم المصالح العليا للوطن، ومن أهمها زيادة النمو الاقتصادي الذي يهيئ لفرص وظيفية بدخول عالية ويسهم في إعادة توزيع الدخل وألا نكتفي بالحديث عن الإجراءات الإدارية والدعم المالي على مستوى المستثمرين فقط. يجب أن نتحاشى أخطاء وقصور الطفرة الاقتصادية الأولى بتجنب التركيز على الكم على حساب النوعية والجودة وعدم حصر الاستفادة من الإنفاق الحكومي السخي على المتنفذين الذين يأخذون كثيرا مقابل بذل القليل.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي