أي درجة من السوء يمكن أن تفعلها الأزمة الاقتصادية بالعالم؟

أي درجة من السوء يمكن أن تفعلها الأزمة الاقتصادية بالعالم؟

ست وثلاثون ساعة في أيلول (سبتمبر) الماضي غيَّرت العالم فعندما انهار بنك ليمان براذرز (الأمريكي)، أصبحت أزمة الائتمان أزمة ماليَّة عالمية.
ويرى البعض أن سماح واشنطن بانهيار ليمان براذرز كان وراء "الذبحة القلبية الكونيَّة". ولكن يا تُرى، كم هي سيِّئة هذه الأزمة بالفعل؟ وهل كان من الخطأ ترك بنك ليمان براذرز بفشل؟ أم هل كان ذلك المصرف مجرَّد علامة ومؤشِّر، وليس سببا للفوضى الحاصلة في الاقتصاد العالمي الآن؟
تلك هي أسئلة عويصة بالفعل. ومن هنا، فقد دعا المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس خمسة من كبار الخبراء، بمن فيهم اثنان من الحائزين جائزة نوبل للاقتصاد، للإجابة عن مثل هذه الأسئلة في إحدى جلسات المنتدى المميَّزة.
وكان بين هؤلاء الاقتصاديين المرموقين ثلاثة هم: نورييل روبيني ونسيم طالب والمؤرِّخ الاقتصادي نيال فيرجوسون، وبات يُنظر إلى هؤلاء الثلاثة بوصفهم "المتنبِّئون بوقوع الأزمة الاقتصادية"، لطالما توقَّعوا قبل نحو عامين أو ثلاثة بأن "نظامنا المالي كان يتَّجه لا محالة نحو أزمة سيولة ضخمة".
وقد قال أحد المشاركين في منتدى دافوس لهذا العام: يبدو الآن أنَّ عدم دعوة أي من الخبراء الثلاثة المذكورين للحديث أمام التجمع الاقتصادي العالمي الشهير قبل عامين كان أمرا يدعو إلى الشفقة.
ويقول خبير مالي إن ثلثي الصناديق السيادية المالية في العالم سوف تنهار.
ولا عجب إذاً أن تكون تلك الجلسة قد شهدت ازدحاما كبيرا إلى درجة أن عدد من سعوا لحضورها فاق عدد من كانت أسماؤهم مدرجة أصلا على قوائم المشاركين الأصليين. كما كان هنالك 150 شخصا على قوائم الانتظار، ولربما احتشد أكثر من هذا العدد في إحدى قاعات الطعام التي بدت على شكل كهف أو مغارة، السمة التي باتت تميَّز فنادق دافوس.
ووفقا لقوانين منتدى دافوس، فقد كان من المقرَّر أن تكون هذه الجلسة مغلقة، وذلك بغرض تشجيع النقاش وفسح المجال واسعا أمام الجدل الصريح. ولذلك، ورغم بعض الاستثناءات القليلة، فمن غير المسموح لي أن أنسب الكلام في هذا المقال إلى متحدثين بعينهم ممن شاركوا في الجلسة. لكن بإمكاني أن أنقل ما قيل خلال الجلسة التي اشتملت على الكثير من الإثارة الفكريَّة، وإن بدا ما قيل خلالها مسبِّبا للصدمة والذهول، ومجلبا للحزن والاكتئاب (على الأقل على الصعيد الاقتصادي).
لقد كان السؤال الأكبر بالطبع هو: ترى، إلى أي حدِّ من السوء يمكن أن تصل الأزمة الاقتصادية الراهنة؟
واللافت للانتباه هو أنه لم يخرج أحد، لا من بين المتحدثين من الخبراء على المنصَّة ولا من بين الحضور، من امتلك الجرأة الكافية إلى درجة تمكِّنه من إشاعة ولو شعور بالفرح أو البهجة أو الإسهام في رفع الروح المعنوية للحاضرين.
لقد كان هناك حديث عن "الكساد الخفيف" و"الكساد العظيم الثاني"، مع العلم أن الخبراء أشاروا أيضا إلى أنه من غير المحتمل أن تصل الأمور من السوء إلى ما كانت عليه في ثلاثينيَّات القرن الماضي. فقد تقلَّص الاقتصاد الأمريكي حينئذ (خلال وبعد الكساد العظيم بين 1929 و1932) بمعدَّل 14 في المائة في العام، وانخفضت الأسعار 8 في المائة سنويا وازداد معدَّل البطالة 25 في المائة في السنة.

تكرار الكساد العظيم
إن جوهر المتاجرة والتعامل بالمشتقات هو معرفتك لكيفية الحصول على العلاوات والضغط على زبونك نسيم طالب، متعامل سابق في المشتقات المالية ومؤلف كتاب "ذا بلاك سوان".
وقد اتفق الجميع في دافوس على أنه من شأن خفض نسب الفائدة وحزم وخطط التحفيز والإنقاذ المالي التي تُعلن وتُطبَّق حول العالم أن تمنع حدوث مثل ذلك (أي تكرار الكساد العظيم). ومع ذلك، فقد حذَّر أحد الخبراء من أنَّه يتعيَّن على العالم أن يستعدَّ ويهيئ نفسه لمواجهة "أسوأ الاحتمالات"، وذلك بسبب إمكانية حدوث انكماش اقتصادي يستمر لمدة عام واحد في أضعف الأحوال، أو "ضياع عقد كامل" من التطوُّر البطيء، رغم أنَّ معظم الناس ما زالوا في حالة من عدم تصديق حدوث مثل هكذا توقُّعات.

"الذبحة القلبية الكونيَّة"
ولكن، ما الذي سبَّب الأزمة؟ هناك نظرية رائجة، وهي تحظى بقبول وشعبية، تقول إن المسؤولية تقع على واشنطن في حدوث "الذبحة القلبية الكونيَّة"، لأنَّها سمحت لبنك ليمان براذرز بالانهيار. إلاَّ أنَّ المشاركين على منصّة الحوار رفضوا مثل هذا الرأي وقالوا إنه مجرَّد "هراء" و"أسطورة" لا تُصدَّق.
وذكر عدَّة اقتصاديين آخرين أن الأزمة الراهنة بدأت حتى قبل عامين (من تاريخ انهيار ليمان براذرز)، إذ كان "لا بدَّ" من أن تؤول الأمور إلى حدوث أزمة مالية ما، سواء أكان ذلك عبر انهيار مصرف مثل واشنطن ميوتشوال أو ليمان براذرز، أو أجزاء أخرى من نظام الظل المصرفي الذي يحكم بنوك الاستثمار والصناديق السيادية وشركات السمسرة، ذلك النظام الذي يخضع لقيود وضوابط بسيطة وخفيفة.
معظم الناس ما زالوا في حالة من عدم تصديق أن الأسوأ لم يأتِ بعد وتساءل العديد ممن اعتلى المنصَّة من المتحدثين قائلين: كيف يمكن للبنوك أن تكون على هذه الدرجة الكبيرة من الحماقة والغباء؟ وكيف سمحت أن تسير الأمور على هذا النحو الخاطئ وبهذه السرعة؟
وكان جواب البعض هو أن الأسباب الحقيقية الكامنة وراء الأزمة الاقتصادية الراهنة تتمثل في حجم الدين الكبير وثقافة المكافآت على المدى القصير مقابل حب المغامرة على المدى البعيد ووجود نماذج الخطأ الحسابي القاتلة، بما انضوت عليه من نقص وعيوب ومخاطر. وفوق هذا وذاك كله، كان هناك الجشع القديم والواضح بالمرصاد.
يقول نسيم طالب، وهو متعامل سابق في المشتقات المالية ومؤلف كتاب "ذا بلاك سوان" (الإوز الأسود)، وهو كتاب يبحر في توقُّع ما هو غير متوقَّع: "إن جوهر المتاجرة والتعامل بالمشتقات هو معرفتك لكيفية الحصول على العلاوات والضغط على زبونك".
وقال خبير آخر إن النتيجة كانت نشوء جبل من "الأصول المحفوفة بالمخاطر والمشكلات" (وهذا هو واحد من أشد التعابير لطفا والتي يمكن أن توصف بها الأزمة الحالية)، الأمر الذي نجم عنه حدوث خسائر جمَّة بلغت قيمتها مليارات الدولارات.
من هنا جاءت الحاجة إلى إنقاذ المؤسسات المالية مثل مؤسسة فاني ماي وفريدي ماك وإيه آي جي (AIG)، حتى قبل انهيار بنك ليمان براذرز. وترى، أين كان المسؤولون عن ضبط وتنظيم المؤسسات المالية ووكالات التصنيف ومجالس إدارة الشركات والمؤسسات والبنوك المركزية؟

مسؤول مصرفي
ورأي أحد المتحدثين من الخبراء أنه تم إنقاذ بنك مورجان ستانلي فقط بسبب عودة أسعار أسهمه إلى الارتفاع من جديد عندما انتشرت شائعات خطة الإنقاذ المالي التي أعلنت عنها واشنطن لاحقا وبلغت قيمتها 700 مليار دولار. وقال أحد الخبراء: "إن ثلثي الصناديق السيادية المالية في العالم سوف تنهار".
لقد تراكمت المؤسسات المالية على أنفسها ديونا بلغت 40 ضعفا مقارنة بقيمة الأصول والأموال والممتلكات التي بحوزتها، وقد أخفقت في فهم كم هو خطير مثل هذا الأمر.

تقدير المخاطر
وذهب أحد الخبراء البارزين إلى حد القول إن الأمثلة والنماذج التي تم الاستعانة بها في مجال تقدير المخاطر المصرفية استندت على معلومات تتعلق بالنمو الذي يُسجَّل خلال عام واحد فقط.
وقال آخر إن الأمر كان أشبه بقائد طائرة افترض جدلا أنه لن يضطر أبدا للطيران وسط إعصار، وذلك ببساطة لأنه لم يواجه إعصارا خلال العام المنصرم.
يرى العض أن من شأن خفض نسب الفائدة وخطط التحفيز والإنقاذ المالي أن تمنع الكارثة، ورأى أحد المتحدثين أن المصرفيين لا ذاكرة لهم، فقد نسوا الأزمة الاقتصادية التي ضربت عددا من الدول الآسيوية خلال تسعينيَّات القرن الماضي، وانهيار LCTM (صندوق إدارة رأس المال على المدى البعيد) عام 1998، وغيرها من المؤسسات المالية والشركات الأخرى.

إلقاء المسؤولية
من جانبه، أشار أحد المصرفيين إلى أنه من السهل إلقاء مسؤولية الأزمة على كاهل القائمين على المصارف والعاملين فيها.
وتساءل قائلا: "ترى، أين كان المسؤولون عن ضبط وتنظيم المؤسسات المالية ووكالات التصنيف ومجالس إدارة الشركات والمؤسسات والبنوك المركزية؟".
ولكن، ماذا عن المستدينين الذين لم يقرأوا العقود التي وقَّعوا عليها، ليجدوا أنفسهم لاحقا عاجزين عن الإيفاء بأعباء أقساط منازلهم وتسديدها؟
وأخيرا، ماذا عن حمَلة الأسهم والمستثمرين الذين لم يشكِّكوا يوما بجدوى وقوة النماذج الاقتصادية التي كانت تمثِّلها تلك الشركات والمؤسسات التي يملكونها؟

الأكثر قراءة