الأزمة والتكاليف الباهظة تدفعان منطقة اليورو للتخلي عن "بازل 2"
ألمحت أوروبا أمس بل صرحت بأنها تتجه إلى عدم إلزام مؤسساتها المالية بتطبيق معايير "بازل 2" التي بدئ العمل بها منذ مطلع عام 2008 وتحدد نسبة كفاية رأس المال بـ 12 في المائة، وترتبط بشكل دقيق بمخاطر الائتمان. وعزت أوروبا هذه الخطوة إلى أن تطبيق المعايير يقلل فرصة منافسة مؤسساتها المالية حول العالم. ويتضح أن الاتحاد الأوروبي سيلحق بالولايات المتحدة التي لم تطبقها مصارفها هذه المعايير وهو ما يعتقد أنه سبب في توسع المصارف في قروض الرهن العقاري التي قادت إلى الأزمة المالية العالمية.
ودعا جان كلود يونكر رئيس مجموعة اليورو في مقابلة مع صحيفة ألمانية أمس إلى مراجعة إطار العمل بـ "بازل 2" لمتطلبات رأس المال المصرفي على وجه السرعة. وأبلغ يونكر صحيفة "تاجشبيجل" في مقابلة تنشر في عدد أمس" قواعد "بازل 2" يجب مراجعتها على وجه السرعة، بعض الدول يطبقها والبعض الآخر لا يفعل وهذا يولد صعوبات كثيرة، ينبغي ألا تتخلف الشركات الأوروبية عن منافساتها بسبب "بازل 2".
وهنا قال لـ"الاقتصادية" الدكتور حسن العالي، اقتصادي بحريني، إن تصريحات كلود يونكر رئيس مجموعة اليورو، تشير إلى أن التزام بنوك منطقة اليورو بها في مقابل عدم التزام باقي الدول بها يقلل من القدرة التنافسية للبنوك والشركات الأوروبية على حد سواء.
وأضاف العالي" تطبيق معايير "بازل 2" تكلف أموالا طائلة، وتقدر إحصائيات أن كل بنك من حجم البنوك الخليجية الصغيرة بحاجة إلى استثمار خمسة ملايين دولار على الأقل لتوفير المستلزمات الفنية واللوجستية والبشرية الضرورية لتطبيق معايير "بازل 2". وقدرت إحصائيات أن البنوك الخليجية بحاجة إلى نحو مليار دولار لاستثمارها في معايير "بازل 2".
وأوضح العالي أنه "إذا تحدثنا عن البنوك الأوروبية الضخمة، نجد أن هذه التكلفة تتجاوز مليارات الدولارات وهي تمثل تكلفة الاستثمارات المطلوبة من قبل البنوك لتعزيز عمليات إدارة المخاطر فيها والتي تعد من أهم ركائز "بازل 2"، مشيرا إلى أن سقف الإقراض والاستثمار ينخفض عند تطبيق المعايير وسوف يخضعان لمعايير متشددة أكبر، إلى جانب حاجة البنوك إلى توفير بيئة آمنة للالتزام بالمعايير الخاصة بالمخاطر التشغيلية وغيرها".
وتابع "أما في حالة الشركات الأوروبية، فإن معايير "بازل 2" تفرض عليها الإفصاح عن حجم ضخم من المعلومات والبيانات المالية وغير المالية للدائنين والمستثمرين، والتقيد بنماذج أعمال تقلل من درجة المخاطر المحسوبة من قبل البنوك، وهي جميعا عوامل تقلل من قدرتها التنافسية".
ويؤكد الاقتصادي البحريني، أن أحد الدوافع الرئيسية وراء تصريحات يونكر هو الأزمة المالية العالمية الراهنة التي جعلت الشركات الأوروبية تصارع من أجل البقاء، وهي تبحث عن طوق نجاة حتى ولو كان قشة، ولعل القشة هي التخلي عن الكلف المرتفعة للتقيد بمعايير "بازل 2" التي ظلت سنوات طويلة تروج لها وتطالب العالم بالتقيد بها.
وتشير تحليلات ظهرت في أعقاب اندلاع الأزمة المالية في العالم إلى أن البنوك الأمريكية توسعت في قروض الرهن العقارية عالية المخاطر لعدم التزامها بمعايير "بازل 2" التي تستند إلى ثلاثة عناصر. وهذه العناصر هي: إدارة المخاطر (مخاطر الائتمان، مخاطر التشغيل، ومخاطر السوق)، الشفافية، والعنصر الثالث هو التزام أسواق المال بمعايير وقواعد تصدرها لجنة بازل. وتحدد "بازل 2" نسبة كفاية رأس المال بـ 12 في المائة.
وتعتبر المصارف الخليجية والسعودية على وجه التحديد الأكثر التزامات بتطبيق معايير "بازل 2" التي دخلت حيز التفنيذ مطلع عام 2008. وقال مصرفيون لـ "الاقتصادية"إن المصارف الخليجية مؤهلة تلقائيا للتعامل مع اتفاقية "بازل 2" التي دخلت حيز التنفيذ العام الجاري، مشيرين إلى أن تعاملات تلك المصارف "ليست محلية"، وإنما أخذت صبغة العالمية "ما يسهل عليها الوفاء بمتطلبات الاتفاقية".
وقال الدكتور عبد اللطيف جناحي رئيس مجلس إدارة بنك إدارة الاستثمار، إن المصارف الخليجية تكيفت مع اتفاقية "بازل 2"، وهي مؤهلة للتعامل معها، لافتا إلى أن البنوك "التقليدية والإسلامية" في المنطقة تتجاوز في تعاملاتها المالية الأسواق المحلية والإقليمية إلى الدولية، وحتى تثبت مصداقيتها وشفافيتها "لا بد أن تثبت وفاءها بمتطلبات تلك الاتفاقية."
وأضاف "عمدت المصارف في المنطقة إلى إجراء تعديلات مبكرة خلال الفترة الانتقالية لتتلاءم مع النظام المالي الدولي الجديد ومع متطلبات المدقق العالمي"، مشيرا إلى أن أي مصرف لا يفي بتلك المتطلبات سيعرض نفسه لمساءلة المصرف المركزي والمدقق الخارجي.
وذكر جناحي وهو خبير اقتصادي إسلامي ويرأس كذلك مجلس إدارة شركة الصفوة الدولية، أن البنوك الإسلامية تتمتع بخصوصية في هذا المجال "ففيما يتعلق بالربحية أُثير تساؤل حول مكان وضع الربحية: في الإيراد أم حقوق المساهمين"، منوها إلى أن هيئة المعايير والمحاسبة الإسلامية عالجت هذا الأمر وسمحت بمرونة كبيرة، عندما تركت الخيار لإدارات البنوك بوضع مقدار الربحية في حقوق المساهمين أو الإيرادات.
من جانبه، توقع الاقتصادي والمصرفي الدكتور خالد عبد الله، ألا تواجه المصارف الخليجية الكبيرة صعوبات تذكر تجاه تعاطيها مع اتفاقية بازل، مؤكدا أنها قادرة على تعديل أوضاعها بما يفي بمتطلبات تلك الاتفاقية.
بيد أنه ذكر أن الأمر "ربما يتطلب تعديل أوضاع البنوك الخليجية الصغيرة بالاندماج مع بنوك أخرى لتعزيز وضعها الرأسمالي."
ونوّه إلى أن "بازل 2" لن تؤثر في حجم الاقتراض "لأن ذلك تحكمه قوى السوق"، غير أنه قال إن الاتفاقية ستنظم عمليات الإقراض"بشكل نسبي."
وأفاد الخبير المصرفي غازي الموسوي،أن المصارف الخليجية تتمتع بملاءة جيدة، وستتعاطى مع "بازل 2" من دون إشكالات. وقال"المشكلة الرئيسية أن تلك المصارف تحتاج إلى رساميل ضخمة لولوج الأسواق الكبيرة."
ودعا إلى دمج بعض البنوك الخليجية ولاسيما الصغيرة حيث إنها تلعب دورا هامشيا في السوق، مضيفا "كما أن التسليم بعملية الاستحواذ يبدو خيارا جيدا، وإلا فإن البنوك الصغيرة ستكون مهددة في ربحيتها". وقال إن تكلفة الاقتراض لن ترتفع بسبب "بازل 2"، مرجعا ذلك إلى أن الكلفة الحقيقية النقدية للمصارف في المنطقة"منخفضة جدا"، في حين أن العامل الأساسي لتلك التكلفة هو "الموارد البشرية".
واعتبر اتفاقية بازل "ضمانة كبيرة لخسائر البنوك، وتعزيز المركز المالي للمصرف وقاعدته الرأسمالية"، مطالبا تلك المصارف بتقوية رأسمالها بإضافة رأسمال جديد أو اتباع سياسة الاستحواذ أو الاندماج. ووصف الاتفاقية بأنها ضمانة وحماية عن المخاطر"ولكفاءة رأس المال"، مشدّدا على أهمية رأس المال الكبير لمنافسة أقوى وأفضل في الأسواق الإقليمية والعالمية.