رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


أين اختفت منظمة التجارة العالمية؟

بعد أن ضربت الأزمة المالية العالمية الاقتصاد العالمي في أيلول (سبتمبر) 2008 .. تراجعت أخبار منظمة التجارة العالمية ولم تعد أخبارها تحتل الصدارة في نشرات الأخبار، بل اختفت أخبار المنظمة تماماً من كل وسائل الإعلام وكأنها المسؤولة عن حدوث هذه الأزمة بعد أن كانت أخبارها "تدوشنا" صباح مساء .
وبالمناسبة فقد بذلت السعودية جهداً مضنياً استمر لـ 15 عاماً حتى تلطفت علينا المنظمة وقبلت وساطة الرئيس الأسبق بوش الصغير ومنحتنا كرت العضوية، وقالت في معرض خطاب قبول المملكة إنها تتيح للاقتصاد السعودي فرصة الإثراء والثراء من خلال الانضمام إلى المنظمة.
ومضت ثلاثة أعوام على العضوية ولم يستفد الاقتصاد بأي شيء يستحق الذكر، ولكن فجأة أصيب النظام المالي العالمي بضربة قاضية وشلل في كل أطرافه، ونتيجة لهذا الانهيار، فسوف تمتد عدوى المرض إلى اقتصادات جميع دول العالم وتصاب اقتصاداتها بجلطات وسكتات تمنيه بخسائر فادحة في المال والأعمال.
وهنا تثور أمامنا سلسلة من الأسئلة المريبة وهي: أين منظمة التجارة العالمية من الأزمة المالية العالمية، ولماذا لم يكن لها دور أو حتى رأي في مواجهة الأزمة العالمية، ولماذا اختارت أن تتوارى عن أنظار الإعلام التي كانت تعتلي منصاته كل يوم وكل ساعة، وهل وقعنا ضحية أكذوبة كبرى اسمها منظمة التجارة العالمية كلفتنا ضياع مليارات الدولارات مع سقوط أسواق المال وانهيار شركات وبنوك أمريكية وأوربية كبرى، والأهم من ذلك هل أسهمت وتسببت منظمة التجارة العالمية في سقوط النظام المالي العالمي وهل هذه الأزمة هي بفعل فاعل؟
إن منظمة التجارة العالمية تبنت نظريات اقتصادية اشترطت على كل الدول الأعضاء الالتزام بتطبيق هذه النظريات كشرط لقبولها في العضوية، وهي نظريات تعطي للشركات متعددة الجنسيات حقوق التدخل في شؤون الحكومات، بل تدفع بالشركات نحو السيطرة على القرارات السياسية للدول الأعضاء ، الأكثر من ذلك أن منظمة التجارة العالمية قامت بالتغطية على عمليات النصب والفساد والسرقة التي مارسها رأسماليون في كبريات الشركات والمصارف، وأعطوا أنفسهم حق قبض مكافآت ورشا مريبة، بل قامت هذه الشركات وتلك المصارف بالدخول في مناطق محرمة كالاتجار في المخدرات وغسل الأموال ولوثت مناخ الاقتصاد الدولي الذي ابتلي بمثل هذه الأعمال المحرمة عالمياً.
ومن أجل أن تضمن المنظمة عدم تدخل الحكومات في اقتصادهم المحلي طالبت الدول الأعضاء بإصدار مجموعة من القوانين والأنظمة وتشريعها في الداخل حتى تكون هذه الحكومات رهينة لنظام عام تسيطر عليه منظمة التجارة العالمية.
وطبعاً كل هذه القوانين أو الأنظمة تصب في خانة إخراج الحكومات من إدارة اقتصادها الوطني وتسليمه إلى الشركات متعددة الجنسيات تحت حماية ومراقبة وإدارة منظمة التجارة العالمية.
وكانت النتيجة أن هذه الشركات سقطت وأن الأموال سرقت وأن الاقتصاد الحقيقي ضاع بين عمليات قرصنة مشبوهة وأرقام وهمية في الهواء الطلق.
وأوضح أن كل دول العالم تدفع الآن ثمن فساد عالمي شامل لم يكن لها فيه يد، وإنما كانت اليد الطولى لمنظمة التجارة العالمية التي مررت للشركات متعددة الجنسيات ولأقطابها الفاسدين حرية التجول في سراديب الاقتصاد الدولي، بل إن منظمة التجارة العالمية تبنت مشروع العولمة الاقتصادية والسوق العالمية المفتوحة على قرية كونية واحدة، وأمرت الحكومات في الدول الأعضاء بعدم التدخل في النشاط الاقتصادي الوطني بحجة أن نظرية السوق تحمل في طياتها آليات تصحيح أوضاعها دون أي تدخل من الحكومات في الشأن الاقتصادي المحلي.
ولذلك فإن منظمة التجارة العالمية تعد أحد المتهمين الرئيسيين الذين أسهموا في انهيار النظام المالي الدولي، وعلى الأعضاء الذين وقعوا ضحية أحلام هذه المنظمة أن يطالبوا بالتعويض والتفكير في الانسحاب من هذه المنظمة المريبة التي أنشأها وأسسها رأسماليون غربيون كان هدفهم الأساسي هو الإثراء غير المشروع وسرقة النظام المالي الدولي والسيطرة على الاقتصاد الدولي وموارده المختلفة.
وحكومتنا الرشيدة كعادتها تمارس الرشد في كل المراحل ، ويبدو أن الحكومة قررت أن تدخل في رحاب المنظمة بخطوات محسوبة، لأن في الأقوال والوعود ما فيها من المبالغات التي ترقى إلى مستوى التهريج، ولذلك تمهلت الحكومة في إصدار أنظمة التنافسية والحوكمة، وما إلى ذلك من المصطلحات الإعلامية إياها.. حتى حينما أقرت الحكومة الرشيدة بعض هذه الأنظمة أقرتها بمعيار الشريعة الإسلامية التي حمت الحكومة وحمت المجتمع السعودي من كل مكروه.
ولا شك فأن انهيار النظام المالي العالمي يؤكد صواب سياسة الخطوة خطوة التي اتخذتها حكومتنا الرشيدة منذ أن تقدمت إلى عضوية منظمة التجارة العالمية قبل 15 عاماً وحتى حصولنا على العضوية إياها!!
واليوم يؤكد مشروع منظمة التجارة العالمية أنه مشروع إمبيريالي الهدف منه السيطرة على مقدرات الاقتصاد العالمي وتعويق تقدم الدول الناشئة وجعلها تحت أزارير وسيطرة الحكومات الغربية والشركات متعددة الجنسيات، ولكن ـ الله سبحانه وتعالى ـ بكل شيء عليم وهو القادر على إنزال العقوبة بمن يستحقها، وهكذا هوى النظام المالي العالمي على أهله وطارت الثروات المزيفة في الهواء من حيث أتت.
إنني أطالب كل الخبراء السعوديين الذين لعبوا ـ بحسن نية ـ دوراً ما للوصول إلى عضوية منظمة التجارة العالمية أن يعيدوا النظر في حساباتهم وأن يراجعوا ما كانوا يطرحونه من رؤى بعد ما تكشفت لهم حالات النصب الكبرى التي بدأت تتكشف الواحدة تلو الأخرى، وفى الأيام القليلة المقبلة ستتكشف أموراً خطيرة لم تخطر على بال الكثيرين.
إننا نقول باختصار إن الاقتصاد الدولي وقع ـ طائعاً مختاراً ـ ضحية عمليات نصب منظمة وسرقة عالمية كبرى، وإن المجتمع الدولي ـ للأسف ـ يدفع الثمن غالياً من قوت الأجيال المقبلة.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي