ينقصنا كثير لتناول مشكلة الأخطاء الطبية
إن الأخطاء الطبية في المملكة لم تظهر بطريقة لافتة للجميع إلا عندما بدأ المجتمع يسأل ليعرف عن سبب فقدان عزيز لديه أو خسارة خدمات عنصر فاعل أو ما أشبه, ومع أن لها تأثيرا اقتصاديا كبيرا إلا أنها ما زالت خارج الحسابات إلى الآن. ما يدعو للاهتمام بالأمر هو أن تعيين الهيئات الطبية الشرعية على مستوى المملكة ما زال يتعلق بدراسة والبت في كل حالة وملابساتها دون التعرض للبحث في جوانب عدة للقضية سواء من الهيئة أو أي جهة أخرى إن لم يكن ذلك من مهام الأولى. إن عدم اتخاذ اللازم حيال الاهتمام بالاستراتيجيات والخطط التنفيذية الموجهة والمركزة في القطاع الصحي أدى إلى: عدم تعريف المجتمع بالفرق بين الخطأ الطبي والمضاعفات. إضافة إلى ذلك عدم التحفيز على الاهتمام بالإحصائيات وكأنها مأكل ومشرب كل مسؤول في كل مرفق صحي وجهاز إداري يخدمه, أثر في دور الإعلام سواء على مستوى الجهات المقدمة للخدمات الصحية أو وسائل الإعلام المختلفة، حيث كان ينتظر منهم أداء ما كان يجب عليهم بطريقة علمية ومثالية منظمة فيتعلم الفرد ثقافة قبول أو رفض أو تجاوز أو متابعة المشكلة بناء على ما اطلع أو عرض عليه من مقدم الخدمة أو المسؤول. لقد أصبح المجتمع يدين الطبيب الذي لا ذنب له وأصبح الطبيب يتهرب من إجراء هذه العملية أو علاج تلك الحالة أو حتى مقابلة ذلك المريض، الأمر الذي أربك المسؤول في المستويات المختلفة الذي تارة يتحدث عن أرقام جامدة لا تبين إلا حجم مشكلة غير مفهوم وبعثرة مسؤوليات بين الطاقم الصحي الممارس بأكمله بما يحرجه في النهاية، مع أنه يحاول (ولكن دون تنظيم منهجي) تعديل الوضع.
مستشفى قوى الأمن - على سبيل المثال - أقام مؤتمرا في شهر ذي القعدة من عام 1428هـ سلط فيه الضوء على أسباب الأخطاء الطبية تحت اسم "إدارة المخاطر السريرية في طب النساء والتوليد" وذلك بحضور عدد من المتحدثين الدوليين، الذين أوصوا بضرورة وضع آليات وحلول قبل حدوث مشكلات الأخطاء الطبية في هذا المجال بالذات حتى لا تتكرر كما حدثت في الأقطار التي وقعت فيها. أتساءل: ما النقاط الإيجابية التي تحققت بعد انعقاد المؤتمر؟ وهل حصرت وتمت صياغة إجراءات محددة كحلول لها وتم تعميمها على جميع القطاعات الصحية؟ هل قام مجلس الخدمات الصحية بالإشراف على أبحاث ودراسات في هذا الشأن؟ ثم بعد ذلك ما نتيجة المتابعة لنتائج تطبيق توصيات هذا المؤتمر بالذات أو حتى غيره؟ قد يكون فعلا حدث أكثر مما نتوقع ولكن هل الإحصائيات التي يخرج علينا بها أحد المسؤولين أو المهتمين هنا أو هناك هي ما يجب أن نعرفه ولا يمكن أن نصدق غيرها؟ وهل تحليلها يجيب عن أسئلتنا الاجتماعية والثقافية والاقتصادية؟
في الواقع المجتمع بات يكرر تساؤله عن: ماهية المركز أو الإدارة التي يعول عليها جمع البيانات على مستوى المملكة وكيف يمكن أن تدار لتكون مغذيا مباشرا للمعلومات التي يحتاج إليها الفريق المكلف بالمهمة والمرجعية الموثقة لجميع المعلومات التي يحتاج إليها المخططون على مستوى المملكة؟ ثم هل يقع الخطأ الطبي في جميع المرافق الصحية كالمركز الصحي والصيدلية والإسعاف أم فقط في المستشفى؟ هل هو العلاج الذي خزن بطريقة سيئة أم عدم الشرح الكافي لكيفية استخدامه؟ أما من ناحية علمية فهل لدينا أو نتبع حاليا أدوات للقياس يتفق على قبولها جميع المهتمين والمختصين رغم تنوعها واختلافها؟ هل هو التعليم الطبي كنظام أو منهجه الحالي القائم أم أن هناك تطورا عالميا لم نتبناه بعد وله دور في تخريج أطباء أقدر على تفادي الوقوع في الأخطاء الطبية؟ وهل للأستاذ الذي لم يتفرغ للطلبة واهتم بالبحث عن تحسين معيشته أهمية في حدوث الخطأ الطبي؟ وهل هناك أبحاث في المملكة توضح أبعادا وأوصت بما هو مفيد غير عدد الحالات وعدد الشكاوى ومن هو ذاك الطبيب؟ ثم هل التعليم الطبي المستمر الذي انشغل عنه الممارس الصحي وانشغلت الجهة المسؤولة عن تطوير مهارات الممارس في مهنته يمكن أن يكون عنصرا مهما في تحسين وضع الخدمة الطبية وتقليص حجم المشكلة؟ إما إداريا فهل توزيع المرافق الصحية المتخصصة في المملكة يشكل عنصرا مباشرا أو غير مباشر في حدوث الأخطاء؟ أم أن التوسع في إنشاء مرافق صحية بشكل مبالغ فيه دون النظر في كيفية توفير وإعداد الكوادر لتشغيله بشكل متواز؟ وهل تعد آلية دراستها والبت فيها معضلة؟ هل للجنس أم الجنسية دور في ارتكاب الخطأ؟, ثم هل للمريض دور في تحمل بعض من المسؤولية؟ إما إعلاميا فهل تدخلت وسائل الإعلام بطريقة عاطفية أم عشوائية أم موجهة أم غير ذلك لتسير القضية عبر عقود من الزمن دون تحديد حجمها وحجم تأثيرها في المجتمع ثقافيا واجتماعيا وحتى اقتصاديا؟
في اعتقادي أنه لا بد أن يفطن المريض لجوانب هذه القضية ويثري معلوماتها المتخصص ويأخذ المسؤول وصاحب القرار حيال كل ذلك اللازم دون تردد. نتيجة ذلك مناقشة الأخطاء الطبية من حيث المسببات التي تتمثل في نواحٍ إجرائية تنظيمية ونواح معرفية حيث الأخيرة تنقسم إلى نواح نظامية ونواح تعليمية. ثم يمكن عقد ندوات أو ورش عمل على مدار العام في جميع المناطق في المملكة تتناسب وحجم المشكلة وتأثيراتها بهدف وقف الاجتهاد واللغط والسير في خط متواز مع تطبيق الجودة في تقديم الخدمات الصحية في جميع الجهات المعنية دون استثناء وهذا أهم "فصل" في الاستراتيجية الصحية, والله المستعان.