التضخم يرتفع إلى أعلى مستوياته منذ 30 عاماً

سجلت معدلات التضخم عام 2008 أعلى مستوياتها منذ عام 1977. وتشير بيانات مصلحة الإحصاءات العامة إلى ارتفاع الرقم القياسي لتكاليف المعيشة عام 2008 بنسبة 9.9 في المائة مقارنةً بمتوسط مستواه خلال عام 2007. وارتفعت الأسعار بقوة في كل قطاعات السلع والخدمات مما دل على انتشار الضغوط التضخمية في جميع قطاعات الاقتصاد بعد مرور أكثر من 25 عاماً من الاستقرار. وكانت أبرز وأهم ارتفاعات معدلات التضخم في مجموعات المواد الغذائية والسكن والسلع والخدمات الأخرى. وارتفعت تكاليف المواد الغذائية بنسبة 14.1 في المائة، وكان هذا ناتجاً في الدرجة الأولى عن ارتفاع تكاليف المواد الغذائية المستوردة. وارتفعت تكاليف السكن بنسبة 17.5 في المائة وذلك بسبب ارتفاع تكاليف الإيجارات في الدرجة الأولى. وارتفعت تكاليف السلع والخدمات الأخرى بنسبة 10.5 في المائة. وتركز الارتفاع في هذه المجموعة على ارتفاعات تكاليف بعض السلع الشخصية كالذهب والمجوهرات. وارتفعت تكاليف السلع والخدمات الموجودة في المجموعات الأخرى مثل الأثاث والرعاية الصحية والمواصلات والتي تسهم في تكوين الرقم القياسي لتكاليف المعيشة وإن كانت بدرجات أقل.
ويوضح الرسم البياني المرفق أن تكاليف المعيشة أو التضخم تصاعدت بشدة خلال عام 2008م. وبدأت وتيرة التضخم في الارتفاع منذ منتصف عام 2006م عندما كان الرقم القياسي 101.3 ثم تسارع ارتفاع معدلات التضخم حتى بلغ الرقم القياسي120.1 في تشرين الأول (أكتوبر) 2008. وتراجع معدل التضخم في تشرين الثاني (نوفمبر) ولكنه عاد إلى الارتفاع بشكل بسيط في (كانون الأول) ديسمبر. وتشير حركة الرقم القياسي خلال شهري تشرين الثاني (نوفمبر) وكانون الأول (ديسمبر) إلى إمكانية تراجع الضغوط التضخمية. ولا يمكن الجزم بذلك إلا بعد ظهور بيانات تفيد انخفاض معدلات التضخم لعدة أشهر لاحقة.
ويعود ارتفاع معدل التضخم من الناحية الاقتصادية إلى عدة أسباب رئيسة محلية وخارجية. فمن الأسباب المحلية ارتفاع الطلب المحلي الكلي والتوسع الكبير في حجم النقود وتراجع معدلات الفائدة وارتفاع الأجور. فقد ارتفع إجمالي الطلب المحلي بقوة فوق مستويات التوظيف الكلي لكثير من القطاعات الاقتصادية خلال السنوات الماضية. ويرجع هذا الارتفاع للنمو القوي في الإنفاق الحكومي والذي تضاعف خلال السنوات القليلة السابقة، كما يعود إلى الارتفاع القوي في الطلب الخاص. ويدل الارتفاع القوي في حجم الائتمان المقدم للقطاع الخاص وارتفاع أجور موظفي الدولة وجزء كبير العمالة إلى نمو قوي في الطلب الكلي للقطاع الخاص. وأسهمت السياسة النقدية التوسعية بارتفاع مستويات السيولة بقوة ونموها بمعدلات سنوية تقارب 20 في المائة مما رفع الضغوط التضخمية. أما أهم عوامل التضخم المستورد فقد كان ارتفاع معدلات التضخم في الدول الرئيسة المصدرة للمملكة، وارتفاع تكاليف المواد الأولية والغذائية المستوردة، وتراجع معدلات صرف الريال مقابل عدد كبير من عملات الدول المصدرة للمملكة. ورفعت زيادة تكاليف الشحن خلال السنوات السابقة تكاليف الاستيراد. (ارتفعت تكاليف الشحن بسبب ارتفاع أسعار الوقود والازدهار الاقتصادي الذي كان سائداً لعدة سنوات وخصوصاً في الدول الصاعدة).
وأدت الأزمة المالية العالمية إلى قلب الأوضاع الاقتصادية العالمية رأساً على عقب، فبعد أن كان العالم يشهد ازدهارا اقتصاديا قوياً وارتفاعا كبيراً في أسعار المواد الأولية وضغوطاً تضخمية، تسببت الأزمة في حدوث ركود اقتصادي وانخفضت بقوة أسعار المواد الأولية (ومنها النفط) وتراجعت الضغوط التضخمية على مستوى العالم. وتشير بيانات التضخم الأخيرة في عدد من الاقتصادات المتقدمة والنامية إلى تراجع كبير في معدلات التضخم، بل وتشهد بعض الاقتصادات انكماشا في الأسعار. من جهة أخرى تحسنت معدلات صرف الريال مع عدد من العملات الرئيسة مما خفف من وطأت تراجع معدلات صرف الريال في السنوات السابقة. وسيسهم تراجع تكاليف الشحن في خفض تكاليف الواردات ويخفف من الضغوط على الأسعار بعدة نقاط مئوية وخصوصاً للسلع والمواد الأولية التي يشكل الشحن جزءً كبيراً من تكاليف استيرادها. وتشير بعض التقارير الصحافية إلى انخفاض تكاليف الشحن بنسب تصل إلى 60 في المائة بسبب تراجع حركة التجارة العالمية وتراجع تكاليف الوقود.
ورب ضارةٍ نافعة، فسيؤدي الركود الاقتصادي العالمي إلى خفض الضغوط التضخمية العالمية ويقود إلى تلاشي التضخم المستورد الذي يسهم في رفع الأسعار. أما على المستوى المحلي فهناك مؤشرات قوية على تراجع تأثيرات العوامل التي تضغط على الأسعار. فبيانات ميزانية الدولة للعام المقبل تدل على تراجع محدود في حجم الإنفاق الحكومي الفعلي خلال العام المقبل (أو على أكثر تقدير ثباته عند مستويات إنفاق العام السابق)، وهذا سيسهم بدوره في خفض أو ثبات حجم الطلب الكلي المحلي. أما بالنسبة لطلب القطاع الخاص الكلي فإن استمرار الحكومة في رفع رواتب الموظفين يدعم طلب القطاع الخاص، ولكن تراجع النمو في الائتمان المقدم للقطاع الخاص في شهري تشرين الأول (أكتوبر) وتشرين الثاني (نوفمبر) من عام 2008م يدل على تراجع النمو في طلب القطاع الخاص. ولهذا فمن غير المتوقع نمو الطلب الكلي بقوة في عام 2009م. ويتضح مما سبق أن عام 2009م سيشهد تراجعا لتأثير العوامل التي كانت تضغط على الأسعار سواءً كانت محلية أو خارجية. وسيقود تراجع هذه التأثيرات إلى انخفاض معدلات التضخم خلال العام المقبل إلى أقل من نصف مستواها في عام 2008م.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي