رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


اللا مركزية لا تعني إلغاء المركزية

هناك تخوف غير مبرر لدى البعض من أن التحول إلى اللامركزية ومنح الإدارات المحلية صلاحيات إدارية ومالية أكبر قد يفقدهم السيطرة ويقلل نفوذهم. وهذا بطبيعة الحال تصور خاطئ أثر على عملية التطوير السياسي والإداري وبطء المسيرة نحو نظم أكثر كفاءة وفاعلية واستجابة لمتطلبات المواطنين. بل إن اللامركزية تسهم إلى حد كبير في تضييق نطاق الإشراف، وبالتالي تعد آلية رقابية ذات كفاءة وفاعلية تزيد أحكام سيطرة الأجهزة المركزية على الإدارات المحلية. ما يلزم معرفته في هذا السياق أن الطاعة شريك السلطة وبالتالي من أجل زيادة مقدار السلطة يتطلب بالضرورة زيادة مقدار الطاعة، وهذا لا يتأتى إلا من خلال توسيع نطاق القبول  لدى العموم من خلال  المشاركة في عملية صناعة القرارات العامة المتعلقة بهم. فالناس عندما يتملكون القرارات التي تخصهم يكونون أكثر قربا وحرصا وتفانيا في القضايا المحلية والحفاظ على الممتلكات وتطوير الموارد وبناء القدرات وتحقيق التنمية المحلية. موضوع اللامركزية موضوع مهم على المستويات: السياسي، الاقتصادي، والاجتماعي، ويتطلب رؤيته بصورة شاملة ونظرة ثاقبة ومن جميع الزوايا في ظل المتغيرات الداخلية والخارجية. المطلوب هو القدرة على استيعاب تلك المتغيرات والمستجدات بل تحويلها إلى عوامل إيجابية تدفع نحو مزيد من التنمية والتطوير وذلك من خلال إتاحة الفرصة للإدارات المحلية لتكون أكثر إبداعا وابتكارا في تناول القضايا المحلية وأن تقوم بمسؤوليات وأدوار أكثر نضجا وواقعية تقود لأداء متميز وتخرج الإدارات المحلية وقياداتها من حال الجمود والرتابة والسلبية. إن التحدي الكبير للقيادات الإدارية المحلية هو عندما يطلب منها إيجاد حلول إبداعية وتحمل مسؤولية تحقيق المصالح المحلية وارتقاء سلم التنافسية وخلق أوضاع جديدة، لكن هيهات أن يكون ذلك وواقع الحال الإداري إغراق في الروتين البيروقراطي والمعاملات الورقية دون ربط الأنشطة بتحقيق نتائج على الأرض. فالمسؤولون المحليون مسلوبو الإرادة منزوعو الصلاحيات تتعدد مرجعياتهم وتتداخل أدوارهم وضياع للتنسيق وانتفاء للربط بين الأداء والنتيجة وتقييم للأداء يخلط بين الغث والسمين. أن من الخطأ تصور أن النفوذ والقدرة على التحكم يكون من خلال احتكار السلطة والتفرد بها فهذا تحجير وفهم قاصر للسلطة تكون فيه السيطرة من أجل السيطرة وليس من أجل الدعم والمساندة وتعزيز الثقة ومنح الفرصة للمستويات الإدارية الأدنى للتطوير والإبداع. فتفويض السلطة يؤدي إلى زيادة قوة تأثير الإدارات المحلية التي هي مصدر لقوة السلطة المركزية. على سبيل المثال المسؤول الذي يدير مجموعة قوية متمكنة نشطة تبادر لوضع الحلول وتستجيب للمتغيرات يمتلك قدرات ومكانه وسيطرة أكبر من ذلك الذي راح يقيد موظفيه حتى غدوا جوامد لا حراك لهم دون روح الإبداع ودافعية المبادرة والتطوير. إن التفرد بالسلطة والسعي باستئثارها والتدخل في الشأن المحلي في كل صغيرة وكبيرة أمر يثقل كاهل الأجهزة المركزية ويقلل من فاعليتها في أدوارها ومسؤولياتها الوطنية وفي الوقت ذاته يعوق العمل المحلي. من هنا كان توجه كثير من الأنظمة السياسية في العالم نحو التخفيف من المركزية ومنح المحليات عمل ما يجيدونه في التصدي للقضايا والمشكلات المحلية وصياغة التنمية المحلية. هذه تظهر أهمية التحول نحو اللامركزية أو التخفيف من المركزية على أقل تقدير لتكون الإدارات المحلية أكثر استجابة للمتغيرات والمبادرة لعمل الأفضل. إنها تعكس حالة من النضج السياسي في إيكال المهام والمسؤوليات للأقرب والأكثر معرفة وتأثرا وقدرة على تناول القضايا المحلية والاهتمام بشأنها "فأهل مكة أدرى بشعابها" وكما كان الملك عبد العزيز - رحمة الله - يردد مقولة "يرى الحاضر ما لا يرى الغائب".
ولقد استضاف مركز الأمير سلمان للإدارة المحلية الدكتور شابير شيما أحد الخبراء العالميين في مجال الإدارة المحلية للحديث عن اللامركزية وتحقيق التنمية المحلية من خلال الإدارات المحلية. الدكتور شيما أستاذ زائر في كلية كيندي للدراسات الحكومية في جامعة هارفرد عمل في عدة مناصب عليا في الأمم المتحدة وله عديد من المؤلفات، ولذا فرأيه معتبر وعلمه غزير وخبرته واسعة. وقد أشار الدكتور شابير في محاضرته وورشة العمل المصاحبة إلى نقطة في غاية الأهمية وهي أن مسألة المركزية واللامركزية لا يلزم تطبيق واحدة على حساب الأخرى بل إنه بالإمكان تطبيق الاثنتين معا. والفكرة هنا تكمن في فهم طبيعة المركزية من حيث أنها وضع للأطر العامة وخطوط السياسات العريضة والتوجهات والإرشادات التي تدور في فلكها الإدارات المحلية. إن من شأن ذلك منح الإدارات المحلية نطاقا واسعا من حرية صنع القرارات المتعلقة بها وفي ذات الوقت منسجمة مع السياسات العامة الوطنية. يضرب الدكتور شيما مثلا على ذلك عندما تقرر وزارة الصحة بناء عدد من العيادات في منطقة ومن ثم يترك للإدارة المحلية تقرير مواقع هذه العيادات. وهذا يتطلب على حد قوله خلق نوع من التواصل بين المستويات الإدارية المركزية والإقليمية والمحلية وتقاسم الأدوار والمسؤوليات والاتفاق على أهداف محددة.
لقد أكد في محاضرته أنه ليس هناك نظام مثالي للامركزية يمكن تطبيقة في كل الدول وإنما على كل مجتمع اختيار القدر الذي يناسبه من اللامركزية بما يكفل الكفاءة والفاعلية في تقديم الخدمات العامة وسهولة الحصول عليها من المواطنين وتحقيق المشاركة الشعبية والشراكة بين الوحدات الإدارية وتحريك الموارد وبناء القدرات المحلية. بعد ذلك انتقل ليجيب عن السؤال الأهم الذي يدور في أذهان كثير من المهتمين والمختصين في كيفية تطبيق اللامركزية؟ وهنا يطرح أربعة نقاط يستلزم أخذها بعين الاعتبار. الأمر الأول هو تحديد مجال ومقدار اللامركزية وهذا كما ذكر سابقا يرتبط بكفاءة تقديم الخدمات العامة وتعزيز المشاركة  الشعبية والشراكة بين الأجهزة الحكومية بمستوياتها المركزية والمحلية. النقطة الثانية هي منح الإدارات المحلية حرية اتخاذ القرارات المالية في التحصيل والتمويل والإنفاق. ثالثا وضع آليات للمشاركة الشعبية والتداخل في صنع القرار. رابعا بناء القدرات المحلية وهذا يستلزم إعداد القيادات المحلية وتطوير رؤساء الأجهزة الإدارية المحلية.
وفي الشأن السعودي يرى الدكتور شيما أن هناك هياكل مؤسسية يمكن تطويرها لتحقق النضج السياسي والإداري وتدفع نحو تحقيق أهداف التنمية الاقتصادية والاجتماعية. فمجالس المناطق والمجالس المحلية والبلدية جميعها يمكن تفعيلها وتوسيع دائرة أدوارها ومسؤولياتها لتكون أكثر قدرة على التفاعل مع القضايا المحلية وابتكار حلول جديدة وبناء اقتصاديات محلية قادرة على مواجهة تحديات المنافسة العالمية الشرسة. لقد حظيت بمشاركته في تقديم ورشة العمل وأتيحت لي فرصة النقاش معه ومع المشاركين في الورشة الذين يمثلون عدة جهات حكومية أبرزها وزارة الداخلية والهيئة العليا لتطوير مدينة الرياض، ولقد اتفق على أن هناك ضرورة لإصدار نظام للإدارة المحلية يكون بمثابة آلية للتنسيق بين المستويات الحكومية المركزية  والإقليمية والمحلية من خلال تحديد الأدوار والصلاحيات والمسؤوليات وتوحيد المرجعيات الإدارية وإنشاء هيئات محلية تكون مسؤولة عن جميع قطاعات المجتمع المحلي وتحقيق مصالحه، مستقلة ماليا وإداريا. لقد كانت مبادرة استضافة الدكتور شيما تؤكد على التخصصية العالية وتفرد مركز الأمير سلمان للإدارة المحلية في مجال تطوير وتنمية الإدارة المحلية. ولتعميم الفائدة يمكن الإطلاع على محاضرة الدكتور شيما بزيارة الموقع الإلكتروني للمركز www.psclocalgov.org.sa.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي