كنوز البحر الأحمر.. في أجندة هيئة السياحة والآثار

كنت قد كتبت عدة مقالات في هذه الصحيفة الغراء عن البحر الأحمر، وناقشت فيها تاريخ القرصنة في منطقة القرن الإفريقي وتأثيراتها السلبية في التجارة في البحر الأحمر، ثم تطرقت إلى الأضرار الكبيرة التي ستنعكس على اقتصادات دول البحر الأحمر وبالذات على الاقتصاد السعودي، كما ناقشت وجهة نظر القانون الدولي حول مكافحة القرصنة في البحار العالية والبحار الإقليمية، ثم تحدثت أخيراً عن كنوز البحر الأحمر التي يجب أن تهتم بها الهيئة العامة للسياحة والآثار.
ولم أنتظر طويلاً فقد تلقيت من الأمير سلطان بن سلمان الأمين العام للهيئة العامة للسياحة والآثار رسالة بليغة ورقيقة مرفق بها أسطوانة إلكترونية تحمل عنوان "استراتيجية التنمية السياحية لمحور البحر الأحمر"، والأسطوانة تتضمن دراسة علمية وافية أنجزتها الهيئة العامة للسياحة والآثار وتم اعتمادها من مجلس الوزراء الموقر بالقرار رقم 156 وتاريخ 12 جمادى الآخرة 1429هـ، ثم جاء في رسالة الألمعي الأمير سلطان بن سلمان أن الهيئة تقوم حالياً على تفعيل ما تضمنته الخطة التنفيذية من مبادرات ومشاريع من خلال مجالس التنمية السياحية في المناطق والجهات الحكومية والقطاع الخاص.
وكلنا يعرف أن تنفيذ الاستراتيجيات والخطط هو الجانب الأهم في البرامج والمشاريع، ونتمنى للأمير التوفيق في مهمة التنفيذ لأن فيها من المعضلات والصعوبات الشيء الكثير.
والواقع أنه طالما باشر الأمير مهمة تنفيذ استراتيجية التنمية لمحور البحر الأحمر، فإن المواطن ينتظر البشائر على سواحل هذا البحر المتلألئ بالإمكانات السياحية الزاخرة.ومن جهتى فقد تصفحت الـ CD مرات وأحسست بمقدار الجهد الجبار الذي بذل حتى تم تصميم دراسة علمية عميقة وطموحة عن كنوز البحر الأحمر.
ولقد شعرت وأنا أتصفح الأسطوانة بحجم الجهد الجبار الذي بذل في إعداد هذه الأسطوانة بهذا المستوى العلمي الرصين، وأحسب أن هذه الأسطوانة ستكون أحد المراجع العلمية المهمة ليس للهيئة العامة للسياحة والآثار فحسب، وإنما لجميع الجهات بدءاً بمراكز الأبحاث والجامعات حتى الجهات الأمنية التي أتمنى أن تحلل هذا الكم من المعلومات والبيانات العلمية القيمة.
وأذكر أنني من خلال عملي كوزير مفوض في جامعة الدول العربية قد كلفت بوضع دراسة عن جزيرتى حنيش التابعتين لليمن حينما زحفت إليها قوات عسكرية إريترية في عام 1990، وزعمت أنها تابعة للدولة الإريترية، وبناء على هذه الدراسة طلبت الجامعة العربية من الخارجية اليمنية أن تتجنب الاحتكاك العسكري وأن تسعى إلى محكمة العدل الدولية لاستعادة حقوقها المشروعة في الجزيرتين، وحسناً فعلت الحكومة اليمنية، حيث صدر حكم محكمة لاهاي الدولية بتبعية الجزر لليمن، وتم انسحاب القوات الإريترية دون استخدام القوة العسكرية، وأذكر أنني حينما باشرت دراسة هذه القضية طلب منى أن أتصل بالمركز الثقافي في السفارة الأمريكية في القاهرة لوجود خرائط التقطت بالأقمار الصناعية لجميع الجزر في البحر الأحمر، وحينذاك اكتشفت أن مئات مئات الجزر التابعة للسعودية تختفي حينما تغمرها المياه في حالة الجزر، ثم تظهر فوق سطح المياه في حالة المد.
وهذه مناسبة كي أنوه إلى أن هذه الجزر لم ألحظها في الدراسة التي أعدتها الهيئة العامة للسياحة والآثار، ولا شك إن اكتشاف هذه الجزر وحصرها ومعرفة إمكانية الاستفادة منها تحتاج إلى جهود جبارة وإلى فرق متخصصة.
ومن هنا أعترف أن مهمة الهيئة العامة للسياحة والآثار مهمة صعبة جداً، ولولا أن الأمير سلطان بن سلمان رئيساً لها لسكتت هذه الهيئة عن العمل والكلام معاً، لأن إدارة مثل هذا المرفق وسط مجموعة من الآراء والمواقف المتعارضة والمتشددة يجعل العمل من الأمور الصعبة جداً.
أَمًا وإن الأمير سلطان بن سلمان هو الرئيس الأعلى لها فدعونا نطمح ونطمع من سموه أن يبذل المزيد من الجهد الخلاق لمواجهة معضلتين كأداتين تهددان السياحة والآثار معاً، الأولى هو ما يجرى من دفع مياه الصرف الصحي الملوثة والعفنة إلى شواطئ البحر الأحمر لتحولها من شواطئ خلابة وجاذبة إلى شواطئ قميئة ومنفرة، وأذكر بهذه المناسبة إن بحيرة الـ 40 التي كانت تزين قلب جدة الباسم أصبحت تكئة لمياه الصرف الصحي العفنة، وشخصياً أشعر بشيء من الحنين تجاه هذه البحيرة لأنني كنت أزورها مع أترابي حينما كنا طلاباً في مدرسة الفلاح، ولكنها اليوم ما زالت تعيش محاولة إنقاذها من براثن التلويث، كما أن طواحين النفايات ما زالت تدور حول مدينة الملك فهد الرياضية وما حولها من مساحات بحرية وهى لا تقل تلويثاً عن بحيرة الـ 40.
أمًا المعضلة الثانية والمهمة فهي الهجمة التي تتعرض لها في هذه الأيام بعض الأماكن الأثرية في مكة المكرمة والمدينة المنورة وجدة، وبالذات الهجوم على مقابر المعلاة التى دفنت فيها السيدة خديجة بنت خويلد وثلة من الصحابة الأكرمين، وغار ثور الذي انطلق منه سيد المرسلين مع صديقه أبى بكر إلى المدينة المنورة لينشر دين الإسلام والسلام، وكذلك مقبرة أمنا حواء في مدينة جدة التي قيل عنها إنه لم يثبت أن أمنا حواء قد دفنت فيها رغم أن الرأي الأرجح أنها دفنت في هذا المكان، ولعل ما ذكره الطبري في تاريخه منذ أكثر من ألف عام كاف لترجيح هذا الرأي، ولكن التشكيك في المكان لا يعطي الحق بالإزالة، ولذلك ما أقترحه على الأمير سلطان بن سلمان أن يدعو إلى لقاء أخوى مع بعض رجال الهيئة لإفهامهم أن للمكان حجية وقدسية لا تستحق الازدراء، وهو ما جاء في كتب السيرة النبوية وعلى رأسها سيرة ابن إسحاق وابن هشام، لأن المكان جزء من الموروث الحضاري والإنساني للدعوة الإسلامية المباركة، وهو ما يجلله الإسلام، وإن للمكان عبقرية ملهمة كعبقرية الإنسان، وإن احترام المكان واجب وحراسته واجب يفرضه الدين وتفرضه علوم الحضارات القديمة والحديثة، وإن الإنسان ككائن حي يجب أن يحترم عبقرية المكان الذي نشأ فيه وترعرع في كنفه وأحضانه، لأن المكان هو مصدر الإشعاع والنور الذي انطلق منه قادة الأمة لنشر نور الإسلام في كل أنحاء العالم، فمن غار ثور انطلق الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ لينشر الدين الأقوم، وفى جبل النور كان الوحي ينزل من السماء على نبي الأمة، وبيت أبى بكر وبيت عمر وبيت عثمان وبيت على منارات تربى فيها هؤلاء الغر الميامين، وإن واجب الأمة أن يجللوا هذه الأماكن لا أن يعادوها ويمحوها من الوجود، لأن فيها نشأ وترعرع ونبغ هؤلاء النوابغ ـ رضي الله عنهم ـ أجمعين.
ولا شك إن زيارات هذه الأماكن ليست كلها محرمة، بل بالعكس فإن زيارتها ومذاكرة تاريخها باستمرار تعد من الدروس المستفادة في العصر الذي نعيشه أو في العصور التي ستعيشها الأجيال المقبلة.
إن الوصول إلى قناعات مع المعترضين على عبقرية المكان يذلل كثيرا من العقبات أمام هيئة السياحة والآثار التي تتطلع إلى تنفيذ خططها وبرامجها التي لن تتحقق ونحن منقسمون في الرأي حول قضايا باتت عند كل المثقفين والعلماء في العالم من البديهيات، ولقد حان الوقت كي نقف جميعاً في صف واحد وننادي برأي واحد ونسهم جميعاً في حماية موروثاتنا الحضارية، ونعمل معاً لتحقيق تنمية سياحية ستبهر العالم، أقول إن الوصول إلى قناعات واحدة لم يعد صعباً، فقد اختلفنا في جواز الاستماع إلى المذياع، ثم اتفقنا على سماعه، واختلفنا على رؤية الرائي ثم اتفقنا على رؤيته، واختلفنا على نشر الفضائيات ثم اتفقنا على نشرها.
وإذا كنا نختلف اليوم على الموقف من موروث المكان، فسوف نتفق في المستقبل القريب ـ بجهدك يا سمو الأمير ـ في الاعتراف بعبقرية المكان كما اتفقنا على احترام عبقرية الزمان.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي