رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


فتوى ضد الصدى.. إلى أن يمضى الاقتصاد؟

علم الاقتصاد هو فن التنبؤ، وبرغم كل التطورات التكنولوجية الحديثة إلا أنها تصب في خانة الأدوات المساعدة لتجميع وتبويب وتلخيص وعرض البيانات بينما بقي جوهر العملية التنبؤية، كما هو وما زلنا نعتمد على فرضية بسيطة مفادها أن ما حدث في الماضي سيتكرر حدوثه في المستقبل لذلك نبذل كل الجهد لفهم وتحليل البيانات التاريخية ليبقى السؤال المنطقي الخطير هل اعتقادنا أن ما حدث في الماضي سيحدث مرة أخرى في المستقبل مبرر منطقيا؟ بمعنى آخر هل تكرار الظاهرة في الماضي يعد دليلا كافيا على أنها ستحدث في المستقبل مهما تعددت التكرارات؟ الإجابة الفلسفية القاطعة هي لا ومهما كان العدد؟ هذه الإجابة الخطيرة واللغز المحير في مناهج البحث الاقتصادية هي التي تجعل الاقتصاد أشبه بالآلة الضخمة التي تتعامل معها البشرية كطفل صغير يلهو وهو لا يعلم ماذا يفعل ذلك اللهو بمستقبله. كل ما نبذله اليوم من جهد هو تلمس الطريق فقط وبهذا يحذر علماء الاقتصاد بشكل مستمر من مغبة التدخل غير المبرر وتوجيه عجلة الاقتصاد رغما عنها نحو اتجاهات مصطنعة، لأنها لن تعود إلى سابق عهدها بل ستصنع اتجاهات جديدة لم نتعلمها أو نمر بها في الماضي وسندخل في نفق مظلم لن تفيدنا فيه بياناتنا التاريخية ضعيفة الإضاءة. وإذا أضفت إلى كل هذا عدم وجود سجلات تاريخية موثوقة عن سلوكنا الاقتصادي – المحلي - فإن أي تأثير مفتعل في حركة الاقتصاد سيكون تهورا.
وانطلاقا من هذه المسلمة الكبرى فإن محاربة الاحتكار عقيدة اقتصادية لأن المحتكر يهدف إلى صناعة طلب وهمي غير مدعوم بتطور طبيعي في الموارد واحتياجات الناس، لذلك فإن نتائجه دائما ما تكون وخيمة. وإذا كان الاحتكار مشكلة اقتصادية فإن السلوك غير الاقتصادي المضاد لها مشكلة أخرى، واقصد هنا توجيه الناس نحو مقاطعة غير طبيعية، أي أنها ليست عبارة عن انتقال حر بين السلع وبدائلها. لذلك فإن كل ما نطلبه من القائمين على النظام الاقتصادي لحل هذه المعضلة اقتصاديا هو توفير البدائل الاقتصادية وتنوع مصادرها وإتاحتها للجمهور بشكل تنافسي حر ونزيه يُمَكن آلة الاقتصاد من العمل وتوزيع الثروات بشكل عادل وتنافسي بل ويمكنها من معاقبة التهور. لذلك ومن وجهة نظر اقتصادية بحتة – فإنني مع القول بعدم اللجوء لفكر المقاطعات لأنها لن تحل مشكلة بل ستخلق أخرى. لكن لماذا ظهرت فكرة المقاطعة وانتشرت؟
الرأسمالية خطيرة بطبعها، والرأسمالي جشع ولا يرى أبعد من أنفه، وهو بهذا السلوك مسعر حرب ولطالما انكوت شعوب العالم من شرق الكرة الأرضية إلى غربها ومن شمالها إلى جنوبها بنار احتكارات الرأسماليين لمقدرات الشعوب وتغلل الاستغلال والمركنتلية. عبر التجربة والخطأ طورت المجتمعات نماذج للحماية من شرور الرأسماليين وأوجدت دوائر ومؤسسات حكومية وأهلية لذلك. لكن عندما تفشل الدوائر الاقتصادية الرسمية في حماية المجتمع فإنه وكسلوك طبيعي يتجه إلى حماية نفسه بطرق غير رسمية ومنها المقاطعة الاختيارية. إن الصدى الواسع لهذه المقاطعات يشير إلى خلل في مكان ما وعلينا أن نبحث عنه ونعالجه فورا قبل أن تخلق مشكلات يصعب حلها.
لكننا اليوم نواجه عمليات احتكارات وفرض أسعار احتكارية وعمليات تسعير للحديد دون مبررات اقتصادية منطقية، لأن انحسار الطلب العالمي وتوقف الإنتاج في معظم مصانع العالم بسبب الأزمة العالمية يشير إلى أن الهبوط في منحنى الطلب سيستمر حتى تصل الأسعار إلى مستوى محفز للشراء وعندئذ يبدأ الاقتصاد في التعافي ويتحسن الأداء. خلال الفترات الصعبة هذه فإن الاقتصاد يقوم بعملية تصفية مؤلمة للأسواق وتحدث عملية انتخاب طبيعي للشركات القادرة على الصمود ذات التوزيع النموذجي للتكاليف وقرارات الاستثمار الناضجة. لذلك أرى أن ما تقوم به الولايات لمتحدة والعالم معها من تدخل "سريع" لحماية مجرمي الاقتصاد خطأ سيدفع العالم ثمنه يوما ما. كان يجب ترك الدورة تأخذ مسارها الطبيعي وسيبقى فقط القادرون على الصمود "وهم من يستحق الدعم والمساندة". وفي ظل تغاضي المؤسسات الاقتصادية الحكومية عن وكالات السيارات وشركات الحديد فإن هذه الأخيرة تسعى "للصمود" عن طريق استغلال النفوذ فقط. أي استغلال المجتمع وجعله يدفع فاتورة الأخطاء التراكمية ولهذا قرر المجتمع ألا يدفع شيئا وظهر فكر المقاطعة. إن الحملة ردة فعل طبيعية خلقها الاقتصاد الطبيعي ليحافظ على نفسه صحيا. إنها عبارة عن المضادات الحيوية الطبيعية للبقاء. لذلك فأنا – في ظل هذه الظروف - معها لأنها تعبير صحي.
إننا لن نستطيع أن نعاقب المجتمع عندما يدافع عن مصالحه ومقدراته لو أصدرنا فتوى تمنع ذلك أو تهون من قدره. إن المقاطعة تعد عملا صحيا إذا كان هناك تدخل غير مناسب في عملية توازن طبيعية بينما امتنعنا عن التدخل عندما دب الخلل في أوصال الاقتصاد بسبب أفعال الرأسماليين واستغلالهم. إن التلاعب بالاقتصاد جريمة حرمتها جميع الأديان السماوية وحرم الإسلام تلقي الركبان قبل وصولهم إلى أسواق المدينة ودعم حق الناس في التعبير عن استهجانهم لأفعال الغش والتدليس.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي