الشابة بين استثمار قدراتها وكونها قدوة
إن تنجح الفتاة السعودية في المملكة فهذا بيتها وتعرف كيف تتعايش مع ظروفها فتستفيد مما توفر وتجيره لصالحها أو تتغلب على الصعاب وتبرز في مضامير ومجالات تسابق فيها الزمن وتتحرك بحنكة المستثمر للظروف والموارد بكل نجاح. إما أن تتميز خارج الحدود فذلك يتطلب قدرة وصبرا عظيمين من ورائهما طموح يدفع بها إلى التعب والسهر لإثبات الذات وترسيخ موهبة إبداعية سعودية تتقدم كمشروع صغير العمر، كبير في الإنتاج ومحدود الإمكانات، عظيم العوائد. هنا أستطيع القول إنها القدوة الحسنة في المكان الغريب والزمن الصعب. لقد نشرت صحيفة الفجر الإلكترونية مقالا كتبت عن شابة سعودية تغربت في حياتها لظروف دراسة وعمل والدها، ولكن لأنها متميزة بطبعها فقد تعلمت في الجامعات الأمريكية فنون الرسم و"تصميم الجرافيكس" وساعدت أباها في مطبعته التي أصبحت شركة لها فروع خارج المملكة وتمكنت من رسم خطها بوضوح, ثم أسست لنفسها وكالة أطلقت عليها اسمها (عفت) بعد دعم أبيها "محمد السراج" لها, ثم رأست مجلس إدارة شركة Aabn 4 Design التي أسستها في ولاية فلوريدا, ولأنها تميزت بنشاطها أصبحت عضوا في جمعيات عدة منها جمعية كُتاب ورسامي كتب الأطفال, وراحت تثبت بما أنتجته وأصدرته في كل مكان تزوره إنها شعلة نشاط. لقد انتهى المطاف بعفت أن تؤسس مؤسسة بدأت صغيرة جدا تعنى بالنظم الإلكترونية مما سهل عليها تطوير بعض النظم المعلوماتية حتى أن السفارة السعودية استعانت بها في فترة من الفترات، وهي الآن في طور إكمال مشروع تأمل أن يطور نظام المتابعة المدرسية وأولياء الأمور لأبنائهم والتطوير الدراسي برمته. هذه الشابة الآن تعيش في لندن، ولقد ذكرتني بما قرأت عن القلائل اللائي أصبحت أسماؤهن تتصدر صفحات الجرائد الدولية مما يشعرنا بكل فخر واعتزاز بأنهن صنعن أنفسهن ليكن سفيرات لم يتم تعيينهن.
بمراجعة بعض تجارب الدول وتخطيطهم لمستقبل الشباب واحتضانه ليكون محركا جديدا لنمو وتطوير البيئة من حوله وجدت أن أوروبا وضعت أيديها أخيرا على علتها المقبلة، ووجدت حلا لها أنه طالما أن في عام 2050م سيكون أكثر من 60 في المائة من القوى العاملة الأوروبية متقاعدين أي بلغوا أو تخطوا سن الـ 60 فيجب أن يكون ذلك الوقت محروسا بهذه العقول الشابة وأفكارها التي شبت وشابت على إيجاد البدائل وتحمل النوازل بتحديد احتياجاتها الآن وما تتوقع أن تحتاج إليه في كبرها. لذلك فأول الخطوات تناول بروز الفرد المبدع بالتقدير والتكريم ووضعه في نشرة أو كتيب المواطنين الذين لهم خدمات وطنية جليلة كان لها صدى كبير في أوساطهم. فهل يمكن لنا أن نختار أسلوبا آخر أو أفضل لإبراز ما اعتقد أنه دافع للأجيال أن تمد يدها في دعم مسيرة التنمية المستدامة التي يؤمل أن يعود نفعها على جميع المجالات وفي جميع أرجاء الوطن؟. إن لطيفة وعليا الفارستين في مضمار الفروسية ورشا ومروة في الراليات العالمية اللائي برعن في مضامير حديثة على المرأة السعودية, ومشاعل التي تحولت من ريادة الأرض إلى ريادة الفضاء ضاربة بذلك مثالا للقوة العقلية والتطلع الواعد للواثقات بأنفسهن في التعايش مع بيئة كان الخوف يسود قلوب الناظرين لها، إنهن شابات أظهرن جانبا من القدرات التي تملكها شابات نحتاج إلى معرفة المزيد عن غيرهن أيضا. هذا بالطبع لن ينسينا من كن قبلهن وبرعن إلى حد الاكتشاف والاختراع والإبداع وتسجيل أسمائهن بماء الذهب مثل المرحومة الممرضة لطفية الخطيب، الدكتورة ثرية عبيد، الدكتورة خولة الكريع، الدكتورة ريم الطويرقي، الدكتورة سلوى الهزاع، الدكتورة حياة سندي، والمهندسة أيلا الشدوي وغيرهن كثيرات، قد يحتاج الأمر إلى إعداد كتيب أو نشرة أو تخصيص موقع كقاعدة بيانات تساعد في رسم صور المستقبل من خلال العطاء. لا شك أن قرارات مثل تعيين الدكتورة نورة اليوسف مستشارة في مجلس الشورى, وتأسيس أول مجلس لشابات الأعمال في المملكة, وانطلاق مركز إعداد القيادات الشابة, وإنشاء محاكم لقضايا العنف الأسري, والنية لإنشاء أول بنك عقاري للسيدات, وإلغاء شرط وجود الوكيل والكفيل الغارم لسيدات الأعمال, ودراسة مشاركة المرأة في الاستشارات القانونية, إنها بوابات تبشر بالمزيد من القرارات التي ستجعل عام 2009م وما يليه أعواما لاكتشاف قدرات نسائية يتبوأن مواقع يمكن لهن تحويل نظرة المجتمع بضخ أفكار وآراء تثري عملية التنمية والتطوير بشكل عصري. أتمنى أن نبدأ في استشارة هؤلاء القدوات في كيفية اكتشاف قدرات يمكن تبنيهن وبناء جيل منهن يمكن الاستفادة منه على المدى الطويل رغبة في إيجاد القدوة الحسنة وديمومة التطوير والتغذية الفكرية المثمرة.
إن هذه الأمثلة الحية في هذا الزمن يجعلنا نمعن التفكير في جعل هذا العام "عام اكتشاف المواهب والفرص الاستثمارية, عام تحفيز للمصادر الإنتاجية، وعام تطوير للأقلام والفرشاة الرقمية, وعام الأبحاث الإبداعية. إن البدء بالملحقيات الثقافية ومن ثم وزارات التعليم (العام والعالي) والرئاسة العامة لرعاية الشباب ثم الغرف التجارية ومؤسسة موهبة والجمعيات الخيرية بالتنسيق مع وزارة الشؤون الاجتماعية ووزارة الثقافة والإعلام ستبعدنا أولا عن التنظير في وضع خططنا حيال الاستفادة منهن، ومن ثم يساعد في تسريع إصدار القرارات والتشريعات التي من شأنها تعزيز مستوى مشاركتها في جميع المجالات وليس فقط في التعليم والصحة. وزارة التعليم العالي أيضا لها في الأمر شأن إذا ما جعلت في المحاضرات التثقيفية للمقرر ابتعاثهم نماذج من هؤلاء الأفذاذ إناثا كن أو ذكورا، فالشباب يقتدي بمن قبله ويحاول أن يشكل شخصيته المنتجة بطريقته, ووفقهم الله.