رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


خنق غزة .. كيف فك الحصار؟

انسحبت إسرائيل من قطاع غزة ولكنها استمرت بالسيطرة على كل المخارج للقطاع ما أدى إلى إغلاق القطاع أمام العالم الخارجي وجعله تحت رحمة إسرائيل. وأدى تحكمها في المعابر إلى فرض قيود إسرائيلية على تجارة القطاع الخارجية وخنق اقتصاد القطاع الضعيف أصلاً ووقف الكثير من الصناعات. وقد تساهلت الدول العربية في مواجهة الحصار الإسرائيلي على القطاع، فلا الدول المجاورة للقطاع فتحت معابرها معه وسمحت بانسياب السلع والخدمات، ولا الدول البعيدة عن القطاع أعطت مزايا تجارية للقطاع أو دعمت تنمية البنية التحتية المنهارة فيه. كما لم تشجع الدول العربية بناء اتصالات تجارية واقتصادية مع القطاع المحتاج بشدة إلى الدعم ولتمكينه من الاستقلال الاقتصادي عن إسرائيل.
وللإجهاز على اقتصاد القطاع عمدت إسرائيل إلى تدمير المواصلات البحرية والجوية مع العالم الخارجي من خلال تدمير ميناء غزة وشل المطارين الموجودين فيها, وفرض حصار بحري على القطاع. وأدى تشديد إجراءات الحصار على غزة بعد فوز حركة حماس بالانتخابات إلى تجويع متعمد لسكان القطاع. وارتفعت نسبة الفقر في القطاع إلى 80 في المائة, وكثر انقطاع إمدادات الكهرباء والوقود وتناقصت كميات الأغذية والأدوية الضرورية. ونتيجةً لذلك ارتفعت نسبة السكان المعانين من سوء التغذية وبدأت تظهر حالات الجوع, وازداد انتشار الأمراض وكثرت حالات الوفيات بسبب نقص الأدوية والرعاية الطبية وسوء التغذية. وتمت معاقبة أهل غزة بشكل جماعي بسبب تأييدهم لحركة حماس. ويهدف الحصار إلى إجبار السكان على الخنوع لمطالب الصهاينة بضرورة التخلي عن المقاومة ودعم الحركة التي جاءت إلى السلطة نتيجة لانتخابات حرة وعادلة.
وعزز حصار غزة تصرف بعض المسؤولين الفلسطينيين عندما أعادوا أموالاً كانت في الخزانة الفلسطينية إلى الدول المانحة نكايةً بـ "حماس". وقد جمدت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وكندا أموال المنح إلى قطاع غزة بعد تولي حماس السلطة. واكتمل الحصار الاقتصادي والمالي بمنع تحويل أي أموال إلى القطاع وحكومة "حماس" بدعوى أنها منظمة إرهابية. كما منعت إسرائيل تحويل إيرادات الضرائب الجمركية المفروضة على السلع المتوجهة إلى غزة. ومنعت إسرائيل أيضاً تدفق العمالة وتحويل الأموال. ومن المعروف أنه يجمع بين المناطق الفلسطينية المحتلة وإسرائيل اتحاد جمركي إجباري من قبل إسرائيل، حيث تتحكم إسرائيل في جميع أموال الرسوم الجمركية المتوجهة إلى المناطق الفلسطينية التي يجب تحويلها إلى السلطات الفلسطينية بموجب اتفاقيات أوسلو. وتحول إسرائيل هذه الإيرادات متى شاءت ولمن شاءت, وتمنعها في أي وقت تريد.
وأدى تحكم إسرائيل في مخارج غزة ومواردها المالية إلى تعطيل اقتصاد القطاع، فهي تمنع تدفق السلع والخدمات متى شاءت وتحدد نوع وكميات السلع والخدمات التي تسمح بمرورها. وتسبب هلع إسرائيل من تنامي أي مصدر من مصادر القوة للفلسطينيين إلى تدمير اقتصاد القطاع, ومنع تدفق السلع والخدمات وخصوصاً الصادرات. ونتج عن الحصار منع تكون علاقات تجارية مستديمة مع الخارج ما حد من نمو وحجم الصادرات وخفض الناتج المحلي ورفع مستويات البطالة والفقر. وتتجاوز مستويات البطالة 40 في المائة في القطاع قبل الحرب الحالية. ولا توجد في الوقت الحالي صناعات حقيقية في القطاع، أما القطاع الزراعي فيعاني خسائر فادحة بسبب بطء ومنع تدفق الصادرات والمدخلات. وأدت حالة الفزع المستمرة والحصار في القطاع إلى تدمير البنية الرأسمالية والتنظيمية, كما ارتفعت معدلات الإفلاس وإغلاق الأعمال.
وقد تدهور الناتج المحلي للفرد في القطاع إلى مستويات متدنية بعد الحصار. ولا تتوافر بيانات دقيقة عن القطاع, ولكن تشير بعض التقديرات إلى أن الناتج المحلي للفرد في القطاع يقل عن 700 دولار وهو مستوى منخفض يشير إلى تفشي الفقر بين السكان. ويعتمد سكان القطاع على المساعدات الغذائية بدرجة كبيرة، حيث يتلقى 85 في المائة من السكان مساعدات غذائية يأتي معظمها من المنظمات الدولية. وتتكون الأعمال في القطاع من شركات عائلية صغيرة. وتتركز الصناعات في قطاعات الملابس والصابون وخشب الزيتون, إضافة إلى منتجات الألبان. وتعد الحمضيات والزيتون والخضار أهم محاصيل القطاع. وتتكون الصادرات من الموالح والزهور ولحوم الأبقار. وتعد إسرائيل ومصر والضفة الغربية أهم شركاء القطاع التجاريين. ويعاني القطاع العديد المعضلات البيئية التي تعوق التنمية وتتطلب موارد لا يستطيع القطاع توفيرها، ومن هذه المعضلات ملوحة المياه ومعضلات متعلقة بالتصريف الصحي. ونتيجةً لذلك كثرت الأمراض المرتبطة باستهلاك المياه. ويعاني القطاع أيضاً تصحر وتجريد التربة. وترتفع في القطاع نسبة صغار السن إلى إجمالي السكان، حيث تكون الشرائح السكانية التي يقل عمرها عن 16 سنة نحو نصف السكان.
ومن المستغرب ألا تستفيد مصر من الفرص التجارية التي ستجنيها من تنشيط التجارة مع القطاع كثير السكان والتي ستعزز تنمية منطقة سيناء قليلة السكان, حيث إن بإمكانها فك الخناق عن القطاع وتقليل ارتباطه بإسرائيل وفي الوقت نفسه تنشيط الحركة الاقتصادية في منطقة سيناء. ويمكنها إنجاز ذلك إذا قامت بتيسير تدفق السلع والخدمات من وإلى القطاع, وعززت التكامل الاقتصادي للقطاع مع اقتصاد منطقة سيناء والاقتصاد المصري ككل.
وقد تؤدي الظروف الاقتصادية الصعبة التي يمر بها القطاع والحصار الاقتصادي ومنع التحويلات المصرفية إلى انهيار اقتصادي كامل. ويعد الصمود الاقتصادي في القطاع إلى هذا الوقت بعد فترة طويلة من المعاناة معجزة في حد ذاته. وقد فشلت سياسات إسرائيل في إجبار القطاع على الخنوع. وتحاول إسرائيل وأعوانها تحويل القطاع بصورة تدريجية إلى الاعتماد على المساعدات الخارجية وجعله منطقة متسولين، بعد أن أدت سياساتها إلى إغلاق نحو 75 في المائة من الصناعات الموجودة في القطاع أبوابها وتحول الباقي منها إلى العمل الجزئي.
ومن الإجراءات القذرة التي اتخذتها إسرائيل أخيرا إلغاء الكود الجمركي للسلع المتوجهة إلى غزة من قاعدة بيانات الجمارك الإسرائيلية حتى إشعار آخر. وقد أدى هذا الإجراء إلى خسائر فادحة للمستوردين والمصدرين للسلع من وإلى غزة, وفساد الكثير من السلع ودفعهم رسوم وغرامات تأخر تخليص السلع. ولا يقتصر احتياج قطاع غزة إلى الدعم العسكري والسياسي فقط, ولكنه يحتاج بشدة إلى دعم الدول العربية الاقتصادي. فالقطاع منطقة كوارث بكل معاني الكلمة ويستحق كل أوجه الدعم الممكنة. وينبغي على الدول العربية تشجيع التجارة مع القطاع وبناء قنوات ومؤسسات اتصال بينه وبين الدول العربية، كما ينبغي دعم الاستثمار في القطاع وتنمية البنية الأساسية التي دمرتها إسرائيل وفك الحصار المفروض عليه. وينبغي ألا يغفل العرب عن رفع قضايا ضد الجرائم الإنسانية والتخريب المتعمد لاقتصاد القطاع, والمطالبة بالتعويضات عن الدمار الذي سببه الاحتلال.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي