حرب "اليوان" تندلع بين واشنطن وبكين في الأيام الأولى لأوباما
بات في حكم المؤكد ألا تغيير في سياسة أمريكا الاقتصادية تجاه الصين، ففي الوقت الذي قاومت بكين دعوات واشنطن طوال فترة حكم بوش برفع سعر عملتها لخفض تنافسية السلع الصينية في الخارج، خرج المرشح لوزارة الخزانة في حكومة أوباما، تيموثي جيثنر متهما الصين بالتلاعب في عملتها قائلا إنها "مضللة" ومحذرا من انتحال "الأعذار" للحماية التجارية.
لكن مسؤولا في البنك المركزي الصيني استنكر مزاعم جيثنر، وأفادت خدمة أخبار الصين الرسمية أمس، أن سو نينج نائب رئيس بنك الشعب الصيني وصف تصريحات جيثنر بأنها "لا تتفق مع الحقائق" وأنها "مضللة في تحليل أسباب الأزمة المالية".
وقال البنك المركزي الصيني أمس إن اتهامات الولايات المتحدة للصين بأنها تتلاعب في عملتها اليوان مضللة وذلك بعد يوم من حث بكين وزيرة الخارجية الأمريكية الجديدة أن تتوخى الحذر في معالجة العلاقات بين البلدين. وتعد تعليقات سو نينج نائب رئيس بنك الشعب الصيني أول رد فعل علني على تصريحات تيموثي جيثنر المرشح لمنصب وزير الخزانة الأمريكي الذي قال الأسبوع الماضي إن الصين تتلاعب في سياساتها لسعر صرف العملة من أجل تحقيق مكاسب تجارية غير عادلة. ونقلت وكالة أنباء الصين الجديدة "شينخوا" عن سو قوله عن تصريحات جيثنر التي أدلى بها أمام اللجنة المالية بمجلس الشيوخ الأمريكي "هذه التعليقات لا تخالف الحقائق فحسب بل إنها علاوة على ذلك مضللة في تحليل أسباب الأزمة المالية".
ويجسد السجال بداية متوترة للعلاقات بين بكين وإدارة أوباما، الأمر الذي قد ينال من وعود التعاون في محاربة التباطؤ الاقتصادي العالمي والتهديدات
الأمنية. وقال شي يين هونج خبير العلاقات الأمريكية الصينية في جامعة رينمين في بكين "تريد الصين بداية طيبة مع أوباما لكن من المرجح أن تكون الخلافات التجارية هي القضية التي تضر هذا.. الآن دبلوماسيتنا تحكمها الأزمة المالية".
وتخشى الصين من أن صادراتها المتباطئة بالفعل قد تتأثر سلبا بدرجة أكبر
من جراء سياسات أمريكية لتقليص عجز ميزان تجارة الولايات المتحدة معها. ويرى كثير من المشرعين الأمريكيين أن اليوان مقدر دون قيمته الحقيقية بكثير مما يمنح المصدرين الصينيين ميزة كبيرة يلقون باللوم عليها في خسارة وظائف أمريكية والعجز التجاري الأمريكي الذي بلغ مستوى قياسيا عندما سجل 3ر256 مليار دولار في 2007.
وأحجم سو عن اتهام جيثنر صراحة بالحماية التجارية. لكن تحذيرات المسؤول الصيني كانت واضحة بما فيه الكفاية. وبحسب "شينخوا" قال سو خلال زيارة لمكتب صحيفة اقتصادية في بكين "نعتقد أنه في مواجهة الأزمة المالية ينبغي أن تكون هناك روح لنقد الذات، المجتمع الدولي يعمل سويا الآن في رد فعل دؤوب على الأزمة المالية وينبغي أن يتجنب انتحال أعذار مختلفة لتجديد أو تشجيع الحماية التجارية لأنها لن تفيد في اجتياز الأزمة المالية بسلام".
#2#
وقاومت بكين كثيرا دعوات واشنطن خلال الأعوام الثلاثة الماضية لتعويم عملتها، وتطور الأمر إلى دخول القضية الكونجرس باعتبارها قضية تمس الاقتصاد الأمريكي وتضرب بالصناعة الأمريكية في الداخل والخارج. ونظرا لهذه الضغوط اضطرت الصين إلى فرض رسوم على بعض صادراتها لخفض تنافسيتها بدلا من تعديل سعر اليوان.
والمعلوم أن تيموثي جيثنر تعهد بتعميق وتعزيز أواصر العلاقات الاقتصادية والتعاون مع الصين، والتي وصفها بأنها "واحدة من أكثر العلاقات أهمية بالنسبة للولايات المتحدة". وفي وثيقة أرسلها إلى لجنة الشؤون المالية في مجلس الشيوخ وتم الإعلان عنها يوم الثلاثاء الماضي، قال جيثنر: "إن العلاقة الاقتصادية بين الصين والولايات المتحدة تمثِّل بالنسبة لنا تحديا مهما وكبيرا، ناهيك عن الفرص التي تخلقها".
وأضاف جيثنر قائلا عن العلاقة الاقتصادية بين بلاده والصين: "إنها واحدة من أهم العلاقات، فهناك عديد من القضايا المحدَّدة في علاقتنا الاقتصادية التي تتطلب انتباها حذرا وعاجلا".
وأردف بقوله: "في حال إقرار تعييني، فسأكون ملتزما بالانخراط العميق بالحديث مع كبار مسؤولينا الاقتصاديين لمعالجة الاختلافات والفروقات (مع الصين) ونتمكن في نهاية المطاف من حل تلك القضايا والمشكلات بشكل فاعل".
يُشار إلى أن جيثنر مازال ينتظر إقرار مجلس الشيوخ على تعيينه في منصبه، الأمر الذي يُتوقع حدوثه بالإجماع في غضون الأيام القليلة المقبلة، رغم أن لجنة الشؤون المالية في المجلس كانت قد أقرَّت التعيين يوم الخميس بموافقة 18 عضوا ومعارضة خمسة أعضاء. ولأن الصين تشكِّل ذلك الجزء الكبير من الاقتصاد العالمي، فسيؤدي مزيد من التراجع بالنمو فيها إلى حدوث انخفاض جوهري وكبير في معدَّل النمو على مستوى العالم أجمع، كما سيسبب تأخيرا في التعافي من الأزمة الاقتصادية الراهنة.
وقال: "إن الرئيس الأمريكي أوباما، مدعوما بالاستنتاجات التي خلُص إليها طيف واسع من الاقتصاديين، يعتقد أن الصين تناور وتراوغ على موضوع عملتها". وأضاف: "لقد تعهَّد الرئيس أوباما بالاستخدام الفاعل والجاد لكل المحافل الاقتصادية المفتوحة والمتاحة أمامه للسعي إلى تغيير سياسات الصين المتعلقة بالعملة والنقد".
وتابع جيثنر قائلا: إن إدارة أوباما تتطلع إلى بدء حوار اقتصادي مثمر ومنتج مع الحكومة الصينية حول عديد من القضايا على المديين القصير والبعيد.
وقال: "إن اليوان (العملة الصينية) يشكِّل بالتأكيد جزءا مهما من ذلك النقاش، لكن إيلاء الأزمة (الاقتصادية) الاهتمام والتركيز المباشر والكافي يحتاج إلى نعالج القضية بإطارها الواسع المتمثِّل بتحقيق الاستقرار وتلبية المطالب الوطنية المحلية في كل من الصين والولايات المتحدة".
يُشار إلى أن آخر الأرقام والإحصائيات يشير إلى أن معدَّل النمو في الصين خلال العام الماضي بلغ 9 في المائة، وهو أقل بأربع نقاط مئوية ممَّا كانت عليه في عام 2007.
وتعليقا على ذلك قال جيثنر: "ولأن الصين تشكِّل ذلك الجزء الكبير من الاقتصاد العالمي، فسيؤدي مزيد من التراجع بالنمو فيها إلى حدوث انخفاض جوهري وكبير في معدَّل النمو على مستوى العالم أجمع، كما سيسبب تأخيرا في التعافي من الأزمة الاقتصادية الراهنة".
وختم بقوله: "ولذلك، يجب أن يكون هدفنا الفوري والمباشر هو إقناع الصين بضرورة تبني رزمة كبيرة وفاعلة للتحفيز (الاقتصادي)، وذلك في الوقت الذي نقوم فيه نحن أيضا بدورنا بتمرير حزمة حوافز تشجيعية مشابهة في بلادنا". يُذكر أن أوباما كان قد أعلن في 25 تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي، عن ترشيح جيثنر لشغل منصب وزير الخزانة في حكومته، وليكون بذلك أحد الفاعلين الأساسيين في الفريق الذي سيشرف على تنفيذ خطة الإنقاذ الاقتصادي العملاقة في الولايات المتحدة.
ويجعل سعر اليوان المنخفض البضائع الصينية رخيصة للغاية، وتدفع المستهلك الأمريكي إلى شرائها بكثرة، وقد وفّر هذا للصين سيولة كبيرة وظفتها في شراء سندات خزانة أمريكية وسندات قروض مدعومة برهون عقارية. وأورد جيثنر في بيان مكتوب إلى مجلس الشيوخ الأمريكي أن الرئيس أوباما يعتقد أن بكين تتلاعب بقيمة اليوان، وأضاف: "الرئيس، وتسانده استنتاجات قاعدة عريضة من الخبراء الاقتصاديين، يعتقد أن الصين تناور بعملتها". وأضاف: "أوباما سيسخّر وبقوة، جميع الطرق الدبلوماسية المتاحة أمامه سعياً لتغيير ممارسات الصين النقدية"، وفق التقرير. وفور تصريحات غيثنر، انخفضت أسعار سندات الخزانة الأمريكية مدفوعة بمخاوف المضاربين من تراجع إقبال الصين على شراء الأصول الأمريكية، حيث يعد النظام الشيوعي، ثاني أكبر مقتني لسندات الخزانة الأمريكية بعد اليابان.
وفيما يتعارض مع تصريحات مرشح الخزانة الأمريكية، اعترفت الولايات المتحدة الأمريكية خلال حكم بوش أن الصين لا تقوم بالتدخل في تعديل أسعار صرف عملتها اليوان من أجل تحقيق مكسب تجاري. وذكرت وزارة الخزانة الأمريكية في تقريرها نصف السنوي للكونجرس أنها استنتجت انه لا الصين ولا أي شريك تجارى رئيس آخر للولايات المتحدة قد انطبقت عليه شروط التوصيف كـ "متلاعب في عملته الوطنية".
وفي الوقت ذاته، ذكرت وزارة الخزانة الأمريكية أن الصادرات الأمريكية للصين ارتفعت بمعدل 32 في المائة خلال العام الماضي، فيما بلغت الزيادة في إجمالي الصادرات بنحو 4 في المائة خلال الربع الثاني من عام 2007. وأوضحت معلومات وزارة التجارة الصينية التي أوردتها وكالة الأنباء الصينية "شينخوا" أنه في فترة كانون الثاني (يناير) و آب (أغسطس) من عام 2007 أجرى مجلس التجارة الدولية الأمريكي 12 قضية ضد المؤسسات الصينية بلغت قيمتها 1.66 مليار دولار بزيادة 43.8 و43.2 في المائة على التوالي خلال الفترة نفسها من عام 2006 من حيث عدد إقامة القضايا والقيمة المتعلقة بالقضايا.