نظام الرهن العقاري الحل للأزمة الاقتصادية .. فمتى يرى النور؟
ترددت أخبار قبل الصيف الماضي أنه بعد تأخر كبير سيتم اعتماد الرهن العقاري والبدء في تطبيقه خلال أشهر! وانتهى صيف العام الماضي وسيأتي الصيف المقبل ونحن نراوح محلنا. فلماذا هذا التأخير؟! فهو نظام سبق اختراعه قبلنا ولا يحتاج إلى أن نعيد اختراعه بل تعديله ليناسبنا. وهو نظام بسيط وسهل ولا يستحق هذا الوقت من الدراسة. إلا من الناحية الشرعية وهي أيضا أسهل، فهو نظام لا يختلف عن نظام التورق أو المرابحة. فلماذا يتأخر على الرغم من توجيهات ولي الأمر خادم الحرمين ومطالبة المواطنين. ونحن اليوم وبعد تفاقم الأزمة والانهيار الاقتصادي الذي مازال معتم الرؤية نفتقد إلى السيولة والمدخرات لتحريك الاقتصاد وتلبية حاجة المواطنين للإسكان. حتى أن البنوك المحلية التي عاشت وترعرعت على أكتافنا وأموالنا في فترة الرخاء أصبحت اليوم ناكرة للجميل، فهي لم تعد تقرض وتوقفت عن دعم المواطنين الذين هم سبب بقائها ومضاعفة أرباحها للسنوات الماضية. وإن اقترضت فهي تقرض بفائدة عالية، في ظل عدم أو فقدان أي دور لمؤسسة النقد أو فزعة للمواطن.
طالبت وتساءلت في العام الماضي عن هذا الموضوع في وقت كانت الأحوال الاقتصادية جيدة والمواطنون ورجال الأعمال ينعمون باقتصاد متنام وطفرة عالية. ما جعلهم لا يهتمون بموضوع الرهن حيث كانت السيولة متدفقة وبأرقام خيالية. ولكننا اليوم وفي ظل الانهيار والأزمة الاقتصادية والمالية الحالية، فنحن في أشد ما نكون في حاجه إلى موضوع الرهن الذي سيوفر السيولة ويحرك، بل يدور الاقتصاد ويوفر فرص العمل للمواطنين والشركات.
ولا أعتقد أن اعتماد النظام تأخر بسبب تزامنه مع الأزمة التي مر بها النظام في السوق الأمريكية والعالمية، بل على النقيض فهي كانت فرصة لنا للاستفادة من أسباب إخفاقه لتجنبها في النظام الجديد. فقد كانت المشكلة الدولية واضحة وهي ممارسة إقراض أموال لأشخاص ليس لديهم تأهيل كاف أو تاريخ ائتمان جيد. وتلاعب شركات تصنيف وتقييم القروض. وهي أخطاء حدثت في السابق ولم يتم الاحتياط لها. وقد بدأت حكومات تلك الدول بتصحيح تلك الأخطاء ووضع ضوابط أكبر وأكثر جدية لعدم تكرارها. ولكن تلك الدول لم و لن تلغي نظام الرهن العقاري، بل سيستمر لأنه أهم آلية لتأمين السكن لمواطنيها. ونحن يجب أن نصدر النظام، وأن نستفيد من أخطاء الآخرين، وأن نبدأ من حيث انتهوا.
الجميع ينتظر وبفارغ الصبر حل مشاكل الإسكان وتمكين المواطن من الحصول على قرض وتمويل. فهو حدث كبير سيكون له تأثيره في سوق العقار والاقتصاد الوطني في المملكة وسيساعد على عودة رؤوس الأموال المهاجرة، بل سيساعد على جذب استثمارات خارجية. هذا إذا أخذنا في الاعتبار توجه الدولة لتوفير البيئة القانونية والمناخ الاستثماري الذي يحفظ حقوق الجميع خاصة بعد انضمامنا لمنظمة التجارة العالمية.
والرهن بسيط لدينا لعدم تعاملنا بالربا، بعكس الدول التي تسمح بالربا، فهناك عدة أنواع وطرق معقدة لحساب الفائدة. وهدفه الرئيس هو الإسهام في توفير المساكن للمواطنين المحتاجين وبذلك فهو مقبول شرعاً لأن السكن من الضروريات وهو مقصود الشريعة. فهو قرض عادي ولكن مضمون بعقار. ويقترن مبلغ القرض بقدرة المقترض على الدفعات الشهرية (الأقساط).
من المسلم به أن عملية الرهن قديمة كقدم الإنسان. ولكن الرهن العقاري بدأ مع ظهور المباني وفق صكوك ومستندات واضحة ومعتمدة. لذلك فالرهن معروف منذ قرون. ولكن البداية الفعلية لنظام الرهن العقاري كانت في 1930م في أمريكا. ولم تكن البنوك هي السباقة في ذلك بل كانت شركات التأمين. ولم يكن هدفها فقط الحصول على الربح من الفائدة والرسوم، ولكن أملها ألا يستطيع الراهن دفع المستحق عليه وبذلك تتملك الشركة عقاره. وفي عام 1934م ظهر نظام الرهن العقاري المعرف حالياَ وذلك كمحاولة لإنعاش الاقتصاد الأمريكي من الهبوط الذي مر به. وقد كان 40 في المائة من الأمريكيين يملكون سكنا لهم. وكانت قيمة الرهن أو القرض لا تتعدى 50 في المائة من قيمة العقار. يوجد في الأسواق العالمية أكثر من نوع أو أسلوب للرهن العقاري. وأهمها: الرهن المرن: Flexible or Adjustable Mortgages. وهو يوفر طريقة مرنة لإدارة القرض. فمثلاَ تدفع مبلغا مقطوعا، تزيد أو تنقص الأقساط وتأخذ إجازة من الدفع لأشهر محددة. والرهن الثابت: Fixed-rate mortgage:، وهو رهن ثابت الفائدة طوال فترة الرهن ولا يمكن تغييره. وكلا النوعين يندرج تحتهما منتجات بديلة أو نماذج محورة قليلاَ.
وكضمان للرهن، فإنه لابد من التأمين على الرهن العقاري. وهناك عدة أساليب وآليات للتأمين على الرهن العقاري، منها: التأمين على الحياة، على المرض القاهر، حماية الرهن، على السكن أو العقار، على محتويات العقار.
كما أن النظام لن يكتب له النجاح إذا لم يتم تنظيم عملية التثمين والتقييم العقاري، التي ما زالت تمارس بطريقة غير مهنية ومن جهات غير مؤهلة أو مرخصة. ولذلك فإنه لا بد من النظر من الآن في تأسيس هيئة منظمة ورقابية لتأهيل مهنة التثمين والتقييم العقاري. خاصة أننا مقبلون على إرهاصات انضمامنا إلى منظمة التجارة العالمية وحتمية الحاجة إلى نزاهة هذا الموضوع وشفافيته.
ونظام الرهن العقاري أحد وسائل التمويل المعروفة، التي منها:
الإجارة: تأجير العقار على طالب التأجير ثم بيعه عليه في آخر المدة.
المشاركة المتناقصة: وذلك بشراء العقار مشاركة مع طالب التمويل، ومن ثم بيع هذه الحصة عليه بأقساط ومدة محددة.
الاستصناع: بناء العقار ثم بيعه عليه بأقساط ضمن مدة محددة.
المرابحة: عن طريق بيع العقار بقيمة أعلى بعد شرائه من مالكه الأول.
التورق: بيع معادن أو سلع له وبيعها لحسابه وتسليمها له نقداَ.
البيع الآجل.
عقود BOT (البناء، التشغيل، التحويل).
تقوم الصناديق الحكومية بتمويل المشاريع السكنية للأفراد أو المشاريع العقارية الاستثمارية عن طريق قروض ميسرة (حسن).
التمويل التقليدي وهو مبلغ نقدي مباشر بأرباح محددة ولمدة معلومة مرتبط بسعر الفائدة.
هناك الكثير من المعوقات التي لابد من الاهتمام بها والتي لم يتطرق لها النظام الذي يدرس حالياَ وهي:
صعوبة التشريعات القانونية والجزائية والإجراءات الضابطة لحقوق أطراف العلاقة التمويلية.
تعقيدات استخراج الصكوك وازدواجيتها.
عدم الوفاء أو السداد في مواعيده واستحالة إخلاء العقار.
عدم توافر الجهة الرقابية المناسبة ليتوافر لها القدرة على التمويل ومصداقية وشفافية المؤسسات المالية وتسهيل التعاون مع البنوك.
عدم وجود آليات تمويل مبتكرة تناسب ذوي الدخل المنخفض الذي يحتاج إلى تمويل لشراء مسكن.
تأخر كود البناء السعودي.
مخاطر تذبذب أسعار الفائدة.
الرهن العقاري اليوم هو من أهم الآليات الضرورية لتحريك الاقتصاد الوطني وحل مشاكل الإسكان وخلق الفرص، فمتى نبدي اهتماما أكبر بأمور المواطنين؟