أخلاقيات العمل و"السعودة"
على الرغم أن الدين الحنيف، والقيم الإسلامية السمحة، والتقاليد العربية الأصيلة، تدعو إلى التحلي بالأمانة، والصدق، ومراقبة الله في السر والعلن في جميع الأعمال والأفعال، إلا هناك من يتساهل في أداء عمله، ويتأخر عن الحضور، أو يتغيب بعض الأيام دون عذر مقبول. وهذا يؤدي إلى تدني إنتاجية الموظف وضياع المصلحة العامة. ولا شك أن عدم الاكتراث بواجبات العمل، وعدم الالتزام بقيمه وأخلاقياته، تُُعد من أهم عوائق السعودة، بل من معوقات تقدم المجتمع وتطوره. وأسوأ من ذلك أن ضعف الإنتاجية وعدم الحرص على أداء العمل بالوجه المطلوب، يجعل البعض يعتقد – خطأ – أننا شعوب لا تعمل، ولا ترغب في العمل! وهذا خلاف الواقع.
ومن الأمور المهمة التي تدخل ضمن واجبات أداء العمل بالوجه المطلوب ما يلي:
- إتقان العمل، إذ يقول عليه الصلاة والسلام في هذا الخصوص: "إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه".
- الأمانة، التي يؤكد الرسول الكريم أهميتها بقوله: "لا إيمان لمن لا أمانة له، ولا دين لمن لا عهد له".
- المعاملة الحسنة للمراجعين، فيقول المصطفى ـ صلى الله عليه وسلم ـ: "اللهم من رفق بأمتي، فارفق به، ومن شق على أمتي فشق عليه"، ويقول كذلك (أحب الناس إلى الله أنفعهم).
- حفظ أسرار العمل، ويشمل: أ) عدم إفشاء مداولات اللجان أو المجالس الخاصة بجهة العمل سواء في الأمن أو القضاء أو الطب وغيره. (ب) عدم إفشاء أية معلومات من شأنها جلب مصلحة لأناس دون غيرهم، أو إلحاق الضرر بالمؤسسة أو أفراد آخرين. (جـ) عدم الإخلال بسرية ملفات العملاء والمراجعين كالمرضى في المستشفيات والعيادات، أو المستفيدين من البنوك والصناديق وغيرها.
- الإخلاص: يكفي أن نذكر ما قاله ابن القيم - رحمه الله - "العمل بلا إخلاص ولا اقتداء، كالمسافر يملأ جرابه رملاً يثقله ولا ينفعه".
وأعتقد أن نجاح "السعودة" وزيادة فعالية قوة العمل الوطنية يتطلب جهوداً كبيرة في هذا المجال، منها على سبيل المثال: (1) إدراج موضوع "أخلاقيات العمل" ضمن مناهج التعليم العام من جهة، وحث المعلمين والمعلمات على غرس مبادئ أخلاقيات العمل واحترام الوقت في نفوس الطلبة والطالبات من جهة أخرى. (2) قيام الجهات المسؤولة عن العمل والتوظيف (عامة وخاصة) بدور أكثر فعالية في مجال التوعية بأخلاقيات العمل من خلال طباعة بعض الكتيبات عن حقوق الموظف وواجباته وتوزيعها في أماكن التوظيف ومقرات العمل، وتنظيم بعض المحاضرات والدورات المناسبة للموظفين. (3) إجراء مراجعة دورية لدليل مهام الوظائف وتحديثه كلما دعت الحاجة، لكي يكون واضحاً وملائماً مع طبيعة الوظيفة. (4) تسليم الموظف دليلا بالحقوق والواجبات المرتبطة بالوظيفة عند بدء توظيفه. (5) إيضاح عقوبات الإخلال بأخلاقيات العمل وعدم التساهل في تطبيقها. (6) إشارة أئمة المساجد وخطباء الجمعة إلى أهمية أخلاقيات العمل في خطبهم، وتأكيدهم أن أداء العمل بإتقان هو واجب ديني يجب على المسلم الالتزام به.
ومن المؤكد أن نجاح برامج "السعودة" مرهون برفع مستوى الإنتاجية، واحترام العمل والالتزام بأخلاقياته. وفي النهاية فإن زيادة إنتاجية القوى العاملة الوطنية سيعزز التنافسية لمؤسساتنا العامة والخاصة من جهة، وللاقتصاد السعودي من جهة أخرى، خاصة أن الاقتصاد العالمي أكثر ترابطاً والمنافسة أكثر حدة، وهذا ما سيركز عليه منتدى التنافسية الدولي الذي سيعقد في الرياض برعاية خادم الحرمين الشريفين ـ حفظه الله ـ.