رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


نجاح المشروع السياحي يتطلب إرادة سياسية ودعما شعبيا

تشير التجربة الوطنية للسياحة إلى حقيقة مفادها أن إنشاء جهاز إداري متخصص لا يكفي وحده لتطويرها. هذه حقيقة يجب أن يعيها الجميع وعلى جميع المستويات الرسمية وغير الرسمية.
وقد يكون من الإجحاف أن نلقي بهذا الوليد في اليم ونطلب منه السباحة ضد التيار ونتوقع أن يصبح لدينا سياحة عامرة تكون رافدا للاقتصاد الوطني وتوفر فرصا وظيفية بدخول مرتفعة. إننا بهذا نقتل المشروع السياحي الوطني ونقتلعه من جذوره ونفوت الفرصة لتطوير قطاع تصديري من الدرجة الأولى يجذب عوائد مالية من خارج الاقتصاد الوطني، إذ لا يكفي أن يكون هناك جهاز إداري مسؤول عن السياحة لنحقق النجاح ونحصد الأموال كما يفعل غيرنا. الأمر يتطلب أن تكون السياحة خيارا استراتيجيا رسميا وشعبيا يحظى بدعم سياسي على أعلى مستوى ومشاركة جادة من القطاع الخاص وقناعة المجتمع وحرص من الجميع على إنجاح المشروع السياحي. إذا لم تمهد السبل ويتعاون الجميع لن نفلح إذا أبدا وسنظل ندور في دائرة ضيقة جدا من التطوير. هناك من لا يرى أن السياحة تستحق كل ذلك الاهتمام ولا يرى أنها قطاع تنموي اقتصادي ولا يرى أن السعودية لديها المقومات السياحية، وهذه هي القاصمة إذ ما لا نراه أهم مما نراه، هذه حقيقة يغفل عنها البعض وهي الفرق بين النجاح والفشل في أكثر المشاريع التنموية الوطنية. إنها القدرة على تصور المستقبل والنظرة بعيدة المدى وخلق أوضاع جديدة وقيادة الاقتصاد الوطني نحو آفاق أرحب وتهيئة الفرص والاستفادة من المتغيرات وتحويلها من عوائق إلى حوافز وإمكانات. وعندما نعجز عن رؤية الأشياء البعيدة ويكون لدينا تصور خاطئ ولا نضع الأمور في حجمها الصحيح لنفوت فرص النجاح أو تصيبنا الأزمات على حين غرة دون أن نتحسب لها ونعد العدة، مثلما نرى الناقلات العملاقة في الأفق من بعيد صغيرة لا تكاد ترى على عكس الواقع. إن القطاع السياحي قطاع خدمي يتطلب وقتا وجهدا وموارد، والأهم صعوبة إدراك نتائجه مقارنة بالقطاعات الأخرى. وأخشى أن يكون ذلك مدعاة لعدم تقييمه ووضعه في إطاره الصحيح لنراه صغيرا في الأفق الزمني البعيد! في المقابل نجد أن هناك دعما لا محدود لبعض المشاريع التي في ظاهرها مشاريع تنموية تأخذ عناوين براقة تستهوينا إلا أنها لم تحقق شيئا على الأرض، وقد يكون أقرب مثال المدن الاقتصادية التي هي أشبه ما تكون بكثبان الرمال التي ستبنى عليها تتحرك في كل اتجاه ولا تستطيع الإمساك بها! إنها قضية تتعلق برؤيتنا وفلسفتنا وطريقة تفكيرنا في تناول المشاريع التنموية وتقييمها ووضعها في إطارها الصحيح فلا الصورة تكون أكبر من الإطار كما في السياحة ولا الإطار أكبر من الصورة كما في المدن الاقتصادية.
وكمتخصص في الإدارة العامة أرى أن قطاع السياحة لا يحتمل أنصاف الحلول فإما دعم سياسي واقتصادي واجتماعي كامل وإلا فلا. هذا ما يجب أن يعيه الجميع إذ إن السياحة صناعة مجتمعية في المقام الأول ويتداخل فيها الجميع دون استثناء، فالأجهزة الإدارية الحكومية، طرف والقطاع الخاص طرف، وعموم المواطنين طرف. وبالتالي لا يصح أن ترى السياحة من منظور جهوي بيروقراطي وكقطاع إداري جديد جاء ليتخطف الصلاحيات من هنا وهناك دون رؤية الصورة الكبيرة والمصالح الوطنية العليا. هذه الرؤية الضيقة تعكس حال التشرذم الإداري وانكفاء البيروقراطيات العامة على ذاتها دون نظرة مشتركة وتعاون في تحقيق أهداف وطنية استراتيجية. هناك استبسال من قبل الإدارات الحكومية في إحاطة نفسها بسياج عال من القرارات الإدارية واللجان سعيا لزيادة الصلاحيات والمخصصات المالية في منافسة شرسة مع الأجهزة الحكومية الأخرى للحصول على أكبر حصة من ميزانية الدولة. ولذا تكونت ثقافة إدارية بيروقراطية مبنية على أن خسارة الآخرين ربح وإذا لم تكن معي فأنت ضدي وليس البحث عن أوضاع جديدة تكون مربحة للجميع. هذا الوضع الإداري يجعل من الصعب تحقيق رؤية مشتركة وتناول القضايا الوطنية والمستجدات فضلا عن إدراكها ابتداء من منظور المصلحة الوطنية والمنفعة الاجتماعية. فمصلحة الجهاز الإداري مقدمة على أي شيء آخر ليطغى الولاء التنظيمي ويستحكم بمنسوبيه وليكون همهم الأول والأخير الحفاظ على مكتسباته الإدارية والمالية !
في ظل هذا الوضع الإداري المتشرذم وثقافة الأنا التنظيمية والانكفاء على الذات ودون دعم سياسي واقتصادي واجتماعي قوي لا يفترض أن نتوقع الكثير من الهيئة العامة للسياحة والآثار، وإلا كنا أشبه بمن يطلب قيادة سيارة دون أن تكون هناك طريق ممهده. ولقد وجدت (فوجئت) من خلال اطلاعي على موقع الهيئة العامة للسياحة والآثار أن هناك إنجازات كبيرة تتمثل في صياغة استراتيجية وطنية للسياحة وتنظيم إداري غاية في الدقة والتناسق وتطوير لنظم المرافق السياحية وتنمية الموارد البشرية ومبادرات رائدة في توثيق العلاقة مع الشركاء عبر اتفاقيات تعاون ومذكرات تفاهم (هي الأولى من نوعها في السعودية ومن ثم تبعها الآخرون). اللافت للنظر أن الهيئة حرصت على تطبيق أسلوب اللامركزية والعلاقة الأفقية المتبادلة مع جميع الشركاء، ولذا تبنت إنشاء مجالس وأجهزة سياحية في جميع مناطق المملكة لدعم ومساندة المناطق والمحليات في تطوير قدراتها السياحية. الهيئة تدار بمهنية عالية وبطاقم إداري وطني مميز ورؤية واضحة لما يجب عمله ومتى وأين. لقد أصبحت الهيئة العامة للسياحة والآثار ناضجة إداريا وتنظيميا (إن صح التعبير) ولم يتبق سوى أن يفتح المجال لتطبيق استراتيجيتها وتحقيق أهدافها وممارسة مهامها على أكمل وجه دون عراقيل بيروقراطية. لقد آن الأوان أن تحتل السياحة أولوية على أجندة العمل الحكومي إذا ما أردنا أن نرى إنجازات ومشاريع سياحية على الأرض. وهذا يعني دعما من جميع المستويات الرسمية والشعبية أساسه قناعة تامة لجدوى المشروع السياحي والعمل بصدق على إنجاحه وتهيئة السبل والوسائل الكفيلة بنجاحه.
لم يعد بالإمكان الاستمرار على ذات النهج في التعاطي مع القضايا الوطنية من خلال نظرة مجزأة ولكن عبر منظومة متكاملة تقود نحو تحقيق المصلحة الوطنية. من مصلحة الوطن أن ينجح قطاع السياحة وأن ينمو ويزدهر لأنه يعود بالنفع على الجميع، وإذا كان كذلك فلا بد من دعمه سياسيا وإداريا واقتصاديا واجتماعيا وتذليل الصعوبات له. التقييم الموضوعي يشير إلى أن الهيئة العامة للسياحة والآثار قامت بما يجب القيام به وأعدت وهيأت أسباب النجاح ويتبقى على الأطراف الأخرى القيام بأدوارهم حتى تكتمل الحلقة ويتم البناء. يختزل كل ذلك المثل الشعبي "ايد وحده ما تصفق" بل يلزم الجميع المشاركة والمساهمة في إنجاح المشروع الوطني السياحي. ومرة أخرى إما أن تكون هناك قناعة تامة بجدوى السياحة وإسهامها في تحقيق الهدف الاستراتيجي لخطط التنمية بتنويع مصادر الدخل الوطني ومن ثم دعمها دون تردد والحرص على نجاحها، وإما إلغاء المشروع السياحي برمته وحينها نكون قد فوتنا الفرصة ولات حين مناص.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي