الحرب على غزة .. مَن الرابح ومَن الخاسر؟
بعد أن أعلنت إسرائيل أنها أوقفت الحرب ـ من جانب واحد ـ على المقاومة الفلسطينية في قطاع غزة، واكتفت بما نفذته من عدوان ودمار وقتل للأطفال والنساء وكبار السن وتدمير البنى التحتية للقطاع .. بدأ كل فريق يجمع الأسباب التي تقول إنه هو الطرف الذي حقق النصر المبين على الطرف الآخر، ومن ناحيتهم فإن المراقبين اختلفوا في من انتصر ومن انهزم!!
وكعادتها استعرضت إسرائيل عدد القتلى في صفوف المدنيين الفلسطينيين من الأطفال وكبار السن والنساء، كما طفقت تفاخر بالدمار الذي ألحقته آلتها العسكرية الغاشمة في البنى التحتية للقطاع ..
بينما المقاومة الفلسطينية تقول إنها حققت انتصاراً واضحاً على جحافل القوة العسكرية الغاشمة، وإن معيار النصر في الحروب بين مقاومة باسلة وجيش جرار لا يقاس بعدد القتلى في صفوف المدنيين ولا بحجم الدمار في البنى التحتية المدنية ولا باستخدام الأسلحة المحرمة دولياً، وإنما يقاس بوصول صواريخ المقاومة إلى أكبر عدد ممكن من القواعد العسكرية في مختلف المدن الإسرائيلية، لأن وصول هذه الصواريخ اليوم إلى أطراف المدن الإسرائيلية .. سوف يعقبه وصول الصواريخ إلى أعماق كل المدن الإسرائيلية، كما أن النصر ـ في مثل هذه الظروف ـ يقاس من خلال تحقيق الأهداف المعلنة قبيل اندلاع الحرب.
ونعرف جميعاً أن الهدف الأساسي للمقاومة الفلسطينية من إطلاق صواريخها ضد القواعد العسكرية الإسرائيلية إيقاف العدوان الإسرائيلي المستمر على المدنيين الفلسطينيين، وانسحاب القوات الإسرائيلية من القطاع، وفتح المعابر، ورفع الحصار، ثم التفاوض لإحلال السلام العادل والدائم تنفيذاً لقرارات الشرعية الدولية وبالذات القرارين 242 و338 والمعبر عنهما بالأرض مقابل السلام.
وإذا استعرضنا الواقع على الأرض، فإننا نجد أن العدوان الإسرائيلي البغيض تم إيقافه، وأن القوات الإسرائيلية استكملت انسحابها من القطاع، وأن الطرف الإسرائيلي يحضر اجتماعات تعقد الآن في القاهرة جنباً إلى جنب مع الفصائل الفلسطينية وفي مقدمتها "حماس" للبحث في فتح المعابر ورفع الحصار والوصول إلى صيغة جديدة للتهدئة.
وإذا كانت أربع قمم عربية ودولية عقدت خلال خمسة أيام نتيجة لإطلاق صواريخ المقاومة على أراضي الاحتلال الإسرائيلي، فإن عقد هذه الاجتماعات على مستوى رؤساء الدول .. يعد انتصاراً للمقاومة الفلسطينية، بل يعد نتيجة من نتائج هذه الحرب البغيضة، ولا سيما أن هذه القمم أقرت بضرورة أن تلبي إسرائيل طلب المقاومة في فتح المعابر ورفع الحصار والجلوس إلى مائدة المفاوضات للبحث عن آليات تنفيذ اتفاقيات السلام الموقع عليها من قبل الجانبين في فترات سابقة، كذلك من معايير نصر المقاومة موقف الأمم المتحدة وبالذات موقف الأمين العام للأمم المتحدة الذي طالب بالتحقيق في ضرب مقر الأمم المتحدة في غزة، وكذلك التحقيق في استخدام إسرائيل الأسلحة الفوسفورية والنووية المحرمة دولياً ضد الأطفال والشيوخ والنساء، مما يعد بمثابة إعلان حرب إجرامية، وإضافة إلى ذلك فقد حققت المقاومة الفلسطينية الباسلة انتصاراً لافتاً على صعيد عدد من المنظمات الدولية الحقوقية والإنسانية التي أعلنت شجبها للممارسات الإسرائيلية العدوانية على الشعب الأعزل في غزة، بل قام كثير من المنظمات برفع قضايا قانونية دولية ضد إسرائيل لأنها ارتكبت جرائم حرب ضد الإنسانية في قطاع غزة، وفى إطار هذا الموقف الدولي الشاجب للعدوان الإسرائيلي، اندلعت المظاهرات في كل العواصم العربية والأوروبية والأمريكية والإسلامية وكلها تندد بالأعمال الوحشية التي ارتكبها الجيش الإسرائيلي ضد المواطنين الفلسطينيين العزل.
أما على صعيد الداخل الإسرائيلي، فإن وزيرة خارجية إسرائيل تسيبي ليفني التي كانت تتخذ مواقف متشددة إزاء المقاومة الفلسطينية .. تراجعت ووافقت على التفاوض مع المقاومة وفقاً لشروط المقاومة التي رفعت سقف مطالبها مقابل إطلاق سراح الجندي الإسرائيلي شاليط.
أمَا المكسب الكبير من الحرب فيتمثل في الموقف الإسرائيلي المتغير لصالح المبادرة العربية الذي أعلن عنه رئيس وزراء إسرائيل إيهود أولمرت أنه موافق على التفاوض مع العرب على أساس المبادرة العربية التي قدمتها حكومة المملكة العربية السعودية وأقرتها القمة العربية التي عقدت في بيروت 2002.
ومن المؤكد أن الخطاب البليغ الذي ألقاه خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز في قمة الكويت الذي جاء فيه أن المبادرة العربية لن تظل مطروحة أمام إسرائيل إلى الأبد، فإذا لم تتخذ إسرائيل موقفاً إيجابياً حيالها، فإن العرب سوف يتخذون قراراً بسحبها.
هذا الاستعراض الهائل من النتائج الإيجابية الذي تحقق لمصلحة المقاومة الفلسطينية .. يؤكد أن المقاومة هي التي انتصرت على إسرائيل، ولا شك كانت الشعلة الأولى هي صواريخ المقاومة التي سماها البعض بالصواريخ العبثية، ولكن هذه الصواريخ هي التي أجبرت إسرائيل على إيقاف الحرب والجلوس مع جميع فصائل المقاومة للتفاوض بغية الوصول إلى سلام عادل وشامل ودائم، وأزعم أن إسرائيل ستواصل مفاوضاتها ـ بصورة مستمرة ـ حتى الوصول إلى سلام نهائي وفقاً لقرارات الأمم المتحدة وبالذات قراري 242 و338 المعبر عنهما بعبارة الأرض مقابل السلام.
والخلاصة أن الحكم بالنصر أو الهزيمة في حرب بين مقاومة باسلة وجيش عدواني جرار لا يمكن أن يكون بعدد القتلى بين المدنيين العزل والأطفال والنساء، ولا من خلال ضرب البنى التحتية، ولكن من خلال تحقيق أهداف الحرب المعلن عنها قبيل خوضها، ومن خلال موقف المجتمع الدولي من الطرفين، ومن خلال حكم المنظمات السياسية والحقوقية والإنسانية على هذه الحرب.
واضح مما طرحنا من أقوال وأفعال أن أهداف المقاومة تحققت، وبعضها في طريقه إلى التحقيق، كما أن المنظمات الدولية والحقوقية أعلنت موقفها جهاراً نهاراً أنها ضد التصرف الإسرائيلي العدواني الأرعن.