بين العرب والعجم: لنتغاض عن اللمم ونحفز الهمم

القضية الفلسطينية منذ زراعة إسرائيل تتشكل من عام لآخر ومن عقد لعقد وما مر بها من حقب يدل على أن الهدف من إيجاد بذرة القلق (المتمثلة في نبتة لم تطرح يوما ثمرة أو حتى نمت زهورا أو غيرت لونها القاتم) هو تخفيف الصداع الذي يمكن أن تسببه عصبة لأمم أوروبا وأمريكا وهي التي لم تراع حقا لله يوما فكيف بحقوق البشر؟. بدأت القضية بنوم الكيان العربي وهزال البنيان المسلم ولم تبدأ لأن الغاشم كان قويا. كما أن المشاكل بدأت لتأجيج المنطقة واستنزافها وإقلاقها مع أننا كنا وما زال الكثير منا نائما ولكن هناك بحث عن المنفردين والوحيدين لعزلهم وخذلانهم فيكونوا عبرة لغيرهم وهم مقصوصوا الأجنحة ومتمرغون في وحل الإبادة والتصفية. المشكلة أن الوضع بهذه الهيئة يمكن أن يظل كذلك لـ 100 عام أو قد يزيد إذا لم يتعلم التابعون والمتخلفون من أسلافهم ويدرسون بطريقتهم حركات وتحركات العدة لتكون ردة الفعل في وقت وبطريقة لم يحسبوا لها حساب. المشكلة الأخرى أن كلامنا لم يعد مفهوما وإلا لكان هناك أنصار وانتصار للحق ولتحقق فعلا ما نردده أن غزة ستكون مقبرة العدو الغاشم. أعتقد أن علينا أن نشعر ونحن نيام بكل خفقة قلب وأنين مصاب وحزن مكلوم وأن نستشعر كيف يعيش أعداؤنا وهم يحاربون للحفاظ على كتلتهم بعد أن كانوا فرادى. نحن أيضا يجب أن نعود جماعة بعد أن عشنا لعقود طويلة فرادى, فالمعركة الآن ليست محصورة في وقف عدوان إسرائيل ولكن أيضا في التعامل مع أوروبا وبقية دول العالم التي استسلمت لما يمكن أن تتفوه به الحكومات المتعاقبة في أمريكا وليس فقط ما تفعله أو تمارسه.
الإسرائيليون تجمعوا من كل بلد وجنسية واتفقوا على أن تجمعهم وحدة دمائهم ووحدة توجههم ولكن هم يرون أنهم يمرون بمعاناة مع غيرهم الذين يعاندونهم في قيام الدولة وبالتالي ليس لهم إلا الدفاع عن النفس بعدة طرق أهمها التكامل الاقتصادي بين أبناء الجلدة في كل أنحاء العالم ثم الرد بالمثل (كما هم يرون) في ساحة القتال للحفاظ على بقاء الجنس والملة وانتزاع الأرض المسلوبة التي وعدوا بها وهم في عرفهم الأحق. من جهة الولايات المتحدة فممارسة القلق ستؤجج سكان هذه المنطقة وبالتالي تجعلهم أفضل عينة للدراسات العسكرية وتطوير تقنية السلاح وأدوات الحرب والخراب لأن أي مكان آخر لن ينتج عنه النتائج نفسها التي نشرت إلى الآن وبالصدى نفسه الذي تتمتع به أوساط العالم التي لو جربت في مكان آخر لما كان لها الصدى المأمول على مسمع من المجتمع الدولي. إن ما استخدم من قبل من أساليب وطرائق لمواجهة إسرائيل لا يعدو كونه تحركا فرديا وبقوة لم تقدم ولكن يمكن أن تؤخر ولئلا يستمر هذا الوضع بهذه الكيفية فلابد أن يلمس المجتمع الدولي أن لدينا مخزونا فكريا ليس بعنيف ولا محرّم سينتشر بين معظم معتنقي الأديان الأخرى دون عنف ولا طغيان ولا تخريب ولا قتل إنسان، هدفه الإبقاء على هوية تريد إسرائيل محوها من الوجود. كما هو رد للإدارة التي احتضنت الحوار بين معتنقي الأديان وهي تبطن اعتراضها عليه جملة وتفصيلا. الذي لا يتوقعه الكثيرون خروج شعوب المنطقة بكاملها بحلول سلمية بديلة لكنها مؤثرة وحساسة وتصنع الفرق في توجه معظم دول العالم تجاه القضية والحرب الدائرة هذه الأيام, فما يخشى الآن هو أن تدور الدائرة عليهم ولا يجدون حولهم من يساندهم في كل خطوة لانشغال كل دولة وشعب بنفسه بغمامة المشاكل الداخلية وأحواله الاقتصادية مع تلاشي الأحلام الوردية والآمال العريضة في المستقبل الذي بات مشوب الصورة في كل مكان وبالتالي يبتعد الحلم الذي توقعوا أنهم اقتربوا من تحقيقه.
الآن مع أن مهمتنا الكبيرة هي علاج الخوف إلا أن الأكبر معالجة ما تولد من حقد وغبن وكراهية. لابد من تكريس الجهود في إصحاح الفكر بزيادة الذكر, نزع الانهزامية وزرع الإقدامية والجدية, تنشيط الأمل الذي مات في أعماق الكثيرين والصبر على ذلك والمثابرة دون ملل, اجتثاث الأمية بنشر العلم والمعرفة, ثم استخدام الطاقات الذاتية لتكامل المجالات الاقتصادية. عندها سنسأل هل تستطيع إسرائيل خوض هذه التجربة مع الفلسطينيين بالتعايش مع عزيمة لا تخور وصبر لا ينفد؟, كيف ستواجه تكرار عرض الانتهاكات المدللة بالصور الملتقطة برا وجوا وبحرا وحتى فضائيا عندما استخدمت الفسفور الأبيض في الذخائر والغازات المحرمة في القنابل؟, كيف سيتقبلون استدارة ظهورنا لمن شايعهم ومطالبتنا بمحاكمتهم بجرائم الحرب؟, هل سيواجهون العالم شعوبا قبل حكومات بعد أن بنينا جسور الحوار مع معتنقي الأديان في كل مكان؟, ثم كيف سيتدبر من تعقل منهم قول القوي العزيز سبحانه في سورة المائدة (من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل أنه من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا... الآية) وهم قتلوا آلاف الأنفس؟, و"إنا لله وإنا إليه راجعون".

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي