رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


القمم العربية: لا يرغب أحد

بعد التمعن في المنافسة على القمم العربية وشبه العربية في محاولات جادة من البعض وشبه جادة من البعض الآخر للتعامل مع أزمة غزة وثم ربط حماس ابني الصغير للمنتخب السعودي قادني ذلك للتفكير في معاهدة سايكس بيكو. هذا الربط بين عواطف ابني الصادقة وجروح غزة وإرهاصات اجتماعات القمم يجعل الكل يسافر في الزمان التاريخي والغابر ويتروى في المستقبل ويتجاوز المكان. ولكن كل هذه المسافات تبقى في الجانب المعنوي والفكري إلا لمن يتألم في غزة مباشرة، حيث ترتفع في الحلق غصة. بينما الجانب الحسي المباشر والواقعي فنحن لا نزال في المكان نفسه وكأن عقارب الساعة أوقفت حركة التاريخ. الواضح سياسياً هو كما يقال فلسفياً أن نقيض الشيء فيه، فكلما ازدادت الرغبة في القمم ازدادت الرغبة في التهرب منها.
موضوعياً وامتداداً لحماس ابني العفوي يتضح أن نجاح سايكس بيكو واضح بما فيها من انقسام غزة عن الضفة وأصبحت القطرية جزءاً عضوياً من تكويننا، ليس السياسي والاقتصادي فحسب، بل حتى العاطفي. تأصل الوجود السياسي واللحمة الاقتصادية والتناغم الاجتماعي في كل الدول العربية لدرجة عالية من اكتمال الوحدة الوطنية إلى درجة أن التنازل عن جزء منها لمصلحة القومي أو الإقليمي الأشمل لن يكون سهلاً أبداً. ساعد على ذلك تمكن الدولة القطرية من استخدام الوسائل الحديثة من إعلامية أو معلوماتية للسيطرة الكاملة على النزعات الشمولية في كل الدول، وكذلك ساعد على ذلك حقيقة جديدة في التجارب التنموية، بمعنى أنه ليس هناك علاقة واضحة بين الحجم ودرجة التقدم. استراتيجيا هذه الحقيقة أضعفت الحاجة إلى الوحدة الاقتصادية.
الواقع السياسي في العالم العربي يعيش حالة استقطابات دائمة تتضح كلما جاءت أزمة سياسية مثل أحداث غزة. فتجد العواطف تزداد بين الشعوب، بينما القيادات واعية بما هو ممكن وغير ممكن. يقال في علم السياسة إن أسهل الفرص لإحداث تغيير غالباً ما تكون في حالة الاستقطاب نظراً لتعليق العقل وسيطرة العواطف وبذلك يحاول القادم الجديد إيجاد مساحة سياسية لم تكن موجودة، أو إعادة ترتيب في توازن القوى. يتضح ذلك في رغبة بعض الدول الصغيرة وبعض التنظيمات الطارئة في الرغبة الملحة لإحراج المتمكن. تم ذلك أثناء غزو الكويت وفي حرب لبنان عام 2006 وأثناء أحداث غزة. يساعد على ذلك أيضاً قلة الوعي السياسي الاجتماعي العربي، فهناك خلط واضح مستمر بين السياسة Politics بمعنى الألاعيب السياسية والسياسة policies بمعنى البرامج الجادة القابلة للتنفيذ والتي تعتبر جزءاً مهماً في كيان الدولة والممارسات الحكومية. تسهم الحكومات جزئياً في هذا الخلط.
يقابل الحاجة الماسة للتنسيق الإقليمي والقومي في المنطقة الحالة الموضوعية المتمثلة في التنافر على أثر النجاح غير منقطع النظير لمعاهدة سايكس بيكو والواقع السياسي والحالة الضعيفة تنموياً لجميع الدول العربية تجعل الرغبة في اجتماعات القمة محدودة، بل قد تكون ضارة إذا رفعت من درجة الاستقطاب، وقد تكون قاتلة إذا أدت إلى أخذ مخاطر غير محسوبة بسبب التنافس السياسي المبني على تسجيل المواقف أو على العواطف. الغالب أن المجتمعات العربية تعلمت تدريجياً، وقد تشارك القيادات في عدم الرغبة في القمم تدريجياً حتى نصل إلى انفراج تنموي ونلحق بالمستقبل.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي