أسعار النفط.. العودة إلى الصعود في عام 2010
في ظل انخفاض أسعار النفط.. ربما يستغرب عدد كبير من القراء مخاوف وكالة الطاقة الدولية من عودة أسعار النفط إلى الارتفاع بمعدلات عالية، ونحن نقول إن مخاوف الوكالة الدولية في مكانها وهو ما ينتظره سوق النفط العالمي في نهاية 2009 أو بداية 2010. ولقد بدأت وكالة الطاقة الدولية ومراكز الأبحاث العالمية تحذر من تراجع الاستثمارات المطلوبة للتنقيب عن النفط بسبب انخفاض أسعار النفط إلى مستوى 45 دولاراً للبرميل الواحد، وتقدر الوكالة حجم الاستثمارات المطلوبة لتنمية مصادر بديلة للطاقة خلال الـ 30 عاماً المقبلة بـ 45 تريليون دولار، وتؤكد الوكالة على ضرورة ترشيد استهلاك النفط لإطالة مرحلة النضوب وتآكل المخزون.
طبعاً الحديث عن أسعار النفط.. هو حديث يهم كل مواطن سعودي، لأن أسعار النفط تدخل في تفاصيل الحياة اليومية لكل مواطن سعودي، بل تدخل في تفاصيل حياة كل إنسان يعيش فوق الكرة الأرضية.
وبالنسبة للسعودية فإن 87 في المائة من إيرادات الدولة تأتى من النفط، وطالما أن النفط هو الممول الرئيس والأساسي لميزانية الدولة فإن النفط يعد عصب الاقتصاد السعودي.
وتشهد أسعار النفط في هذه الأيام تراجعاً هوى بالأسعار إلى مستوى 45 دولاراً للبرميل بعد أن ارتفعت أسعاره إلى نحو 145 دولاراً للبرميل، وهذا التراجع الحاد في الأسعار يقلق بالطبع الإنسان السعودي.
الشيء اللافت والخطير هو أن سعر 45 دولاراً للبرميل الواحد.. هو سعر لا يغطي تكلفة إنتاج النفط في الآبار الجديدة التي ارتفعت فيها تكلفة استخراج وإنتاج البرميل إلى مستوى 52 دولاراً.
وهذا يعنى أن بيع برميل النفط بسعر 45 دولاراً أو حتى 50 دولاراً يعد خسارة فادحة للمنتجين. ووفقاً لآخر الدراسات حول ارتفاع تكاليف الإنتاج سجلت تكاليف اكتشاف احتياطيات النفط والغاز الطبيعي واستغلالها لشركات الطاقة الكبرى ارتفاعا تجاوز 50 في المائة بين عامي 2004 و2007 في حين وصل متوسط تكاليف التنقيب العالمية خلال السنوات الثلاث الماضية إلى 17.24 دولار للبرميل الواحد أي بزيادة 51.5 في المائة عن المستوى السائد بين عامي 2003 و2004، واحتلت المنطقة الأوروبية المركز الأول في ارتفاع تكاليف الإنتاج والتنقيب مقارنة بما هي عليه في الولايات المتحدة التي ارتفعت فيها التكلفة إلى نسبة 61 في المائة لتصل إلى 11.5 دولار للبرميل للعمليات البرية، وبنسبة 40 في المائة لتصل في العمليات البحرية إلى 63 دولاراً للبرميل، بمتوسط زيادة 50.5 في المائة، فيما ظلت دول منطقة الشرق الأوسط وخصوصاً الدول الخليجية الأقل تكلفة مقارنة بالدول السابق الإشارة إليها حيث سجلت دول منطقة الخليج زيادة 6.5 في المائة في تكاليف الإنتاج لتصل إلى 5.3 دولار للبرميل الواحد.
طبعاً لا يوجد عاقل يقر البيع بخسارة ولا يوجد إنسان يقبل أن يبيع بضاعته بخسارة، بل ليس من المنطق الاستمرار في بيع أي منتج أو أي خدمة بأسعار أقل من تكلفتها.
ولذلك فإننا نتوقع أن سعر 45 دولاراًُ للبرميل الواحد لن يستمر طويلاً، بل سترتفع أسعار النفط حتى في ظل استمرار الركود الاقتصادي الذي ضرب اقتصاديات دول أوروبا وآسيا، وناهيك عن الركود الذي ضرب الأمريكتين وعلى رأسها الولايات المتحدة، ولكن رغم ذلك فإن أسعار النفط سترتفع عن المستوى المتدني الذي بلغته عند مستوى 45 دولاراً.
طبعاً الركود الاقتصادي الذي انتشر في العالم سيؤدي بالضرورة إلى انخفاض الطلب على النفط بسبب انخفاض معدلات النمو الإجمالي، ولكن لفترة وجيزة ثم لا يلبث أن يعاود الطلب على النفط ارتفاعه مرة أخرى، لأن النفط سلعة استراتيجية وأساسية، ولذلك فإن الركود لن يؤثر فيه طويلاً.
ونستطيع القول إن النفط هو هبة الحضارة الإنسانية ومن دونه لن تستمر الحضارة الإنسانية، لأن كل شيء بات يعتمد على النفط ويعتمد على مشتقاته، فإذا كان النفط هو المصدر الرئيس للطاقة في العالم، فإن مشتقات النفط أصبحت الأداة التي يستخدمها الإنسان بشكل يومي في حياته العامة والخاصة بدءاً من البلاستك والأسمدة والبوليستر والشمع الصناعي والأحبار ومواد التجميل.. حتى دايبر الأطفال.
إن الاحتياج الإنساني اليومي للنفط ـ بعيداً عن نظرية العرض والطلب ـ سيفرض على الدول المتقدمة والنامية الاستمرار في زيادة الطلب على النفط، بل إن الزيادة في استخدام النفط أصبح أحد الأدوات المهمة اللازمة للخروج من الأزمة المالية العالمية.
ولذلك ترى وكالة الطاقة الدولية أن إنتاج النفط في العالم تجاوز مرحلة الذروة وبدأ في الانحسار باتجاه مرحلة النضوب، وهي لذلك تطلق الإنذار تلو الإنذار للاقتصاد في استخدام النفط وعدم الإسراف في استخراجه، كما تطالب بضرورة البحث بقوة عن بدائل للطاقة.
لكل هذه الأسباب وغيرها من الأسباب الموضوعية فإن أسعار النفط سوف تشهد مع نهاية عام 2009 وبواكير عام 2010 بداية مرحلة جديدة من العودة إلى الزيادة المتصاعدة.
والاقتصاديون يقولون إن مرحلة الركود لا بد أن يعقبها مرحلة انتعاش، وسيكون النفط هو القاطرة التي تجر مواكب الاقتصاد العالمي إلى مرافئ الانتعاش، وعندئذ تبدأ أسعار النفط في الارتفاع، ولكن من المؤسف أن الزيادة في أسعار النفط ستأتي مع تداول أخبار ضمور الكثير من آبار النفط في إيران وفنزويلا وروسيا وإندونيسيا وبحر الشمال، يرافق ذلك ـ كما أشرنا ـ أن تكلفة إنتاج النفط ترتفع بشكل يتجاوز الـ 50 في المائة، ومعنى ذلك أن الاستثمار في الكشف عن النفط سيرتفع وسترتفع معه تكاليف الاستثمار في موارد جديدة للطاقة، وهذا كله يؤيد رأينا الذي يقول إن الزيادة في أسعار النفط مقبلة لا محالة.
وبهذه المناسبة فإننا نشيد بما اتخذته وزارة المالية في ميزانية الدولة التقديرية للعام المالي 2009 من زيادة ملحوظة في الإنفاق على مشاريع التنمية الشاملة، ولا شك كان تصميم الميزانية بالشكل الذي صدرت به على درجة كبيرة من الحرفنة والحصافة والمسؤولية.