رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


أزمة ناقلة النفط السعودية: أخطاء ما وراء الأسواق والثمن

أقدم أصدق التهاني لشركة فيلا على إنجاز تحرير الناقلة بهذا الثمن الرخيص ـ مجرد دولارات. نعم ومهما بلغت فهي مجرد حفنة من الدولارات لا تنزف دما. إن تحرير ناقلة النفط العملاقة، وهي في عرض البحر، كان سيكلف ثمنا مهما حاول الجميع تجنب ذلك الأمر. أشكر الشركة لأنها تبنت خطة استراتيجية عاقلة للتفاوض مقدرة في ذلك حجم الأخطار المحيطة بالموضوع ومعترفة بشكل جيد بقدرات القراصنة ولم تبالغ في تقدير قدراتها. يبدو لي أن الشركة وطوال 55 يوما قد فاوضت كثيرا وتحملت بصبر عنت هؤلاء المجرمين وهم يأسرون الأبرياء العاملين في البحر، بل يأسرون الحياة البحرية بأسرها في محيط تلك الناقلة. تحملت الشركة - وحيدة على ما أظن ـ هم الناقلة وأخطاء السياسيين وصلف الإجرام حتى تخرج من هذه الأزمة بثمن ليس من ضمنه أرواح الأبرياء الذين عملوا معها أو مستقبل أسرهم على ألا تفقد أيضا الحمولة الثمينة أو تتسبب في كارثة بيئية تؤثر في سجل المملكة ناصع البياض وهي أكبر منتج للنفط في العالم. لذلك وفي ضوء هذا التصور أتقدم بالتهاني لأن الفدية ثمن بسيط مقابل الأخطاء الجسيمة للمجتمع العالمي، فإذا قدر علينا دفعها دولارات بدلا من الأرواح والكوارث التي يمكن تفاديها فلماذا لا نفعل؟
الحقيقة الكبرى التي تظهر من معاناة الناقلة السعودية أن الاقتصاد يدفع - كما هو حاله دائما - فاتورة الأخطاء السياسية. إن تجربة القرصنة في القرن الإفريقي وهي تحقق النصر تلو النصر ـ وهي حقيقة ماثلة أمامنا ـ يقودنا إلى الاعتراف أيضا بأنه لا أحد سينجو من تدمير البنية الاقتصادية والسياسية لأي بلد آخر في العالم. إن العالم اليوم ليس هو العالم في أوائل التسعينيات من القرن المنصرم. إننا نعبر وبسرعة هائلة ممر عصر ما وراء الأسواقMeta-markets أو عصر ما بعد الرأسمالية، وإن كنت أفضل المصطلح الأول. إن الواقع اليوم يجبر شركات العالم جميعها على التكيف أو الخروج من آلة هذا العصر ليست الشركات فقط، بل الدول والمؤسسات السياسية بتنوعها. إنها فاتورة أمن اقتصاد ما وراء الأسواق الذي جعل السلع تصمم في بلد وتصنع في بلد وتجمع في بلد وتستهلك في آخر لا يحدها حدود ولا تعرف الجغرافيا. إنه لاقتصاد الذي صنع الترابط الهائل بين الأزمات السياسية والاقتصادية ومنح الأخيرة قدرة الانتشار بسرعة في بلدان العالم المختلفة.
عندما ضربت أبراج التجارة العالمية في الولايات المتحدة قال بوش الابن إنه كان يعتقد أن أزمة اقتصادية في مكان ما من العالم قد تؤثر في "وول ستريت"، لكنه أصبح مؤمنا أن الأزمة السياسية في أي قطر من العالم قد تدمر "وول ستريت" برمته. ورغم الجرائم والأخطاء الهائلة التي ارتكبها هذا الرجل بحق الإسلام والإنسانية، إلا أنني اعتبر هذه المقولة من أهم تصريحاته وأكثرها صدقا، فالأزمة الإنسانية البسيطة في بلد ما قد تجر العالم إلى أزمة اقتصادية كبيرة ولا أدل على ذلك من تورطنا في أزمة مالية كبرى بسبب فشل أسر بسيطة عن سداد ديونها في أقصى غرب الولايات المتحدة.
إن عقدة الأزمة السياسية في الصومال التي لم تجد يدا إنسانية عاقلة لحلها تنعكس اليوم وبشكل لافت على الاقتصاد العالمي، وهو يدفع ثمن إهمال هذا القطر لسنوات عدة حتى نمت وترعرعت أفكار القرصنة وعادت روح همجية القرن الـ 16 حية من جديد. إن العودة بالأمن الاقتصادي لذلك الممر العالمي المهم تقتضي دفع فاتورة الإهمال الباهظة وسيسددها العالم مرغما.
ليس هذا فحسب، بل إن فشل المنظومة الرقابية والحوكمة الفاعلة لسلوك مجالس الإدارة في بلد ما قد تتسبب اليوم في خسائر هائلة لبورصة أخرى في جزء بعيد من العالم، فالنظام المالي الذي منح مالدوف القدرة على التضليل والتلاعب بالأنظمة الرقابية في الولايات المتحدة جعل بورصات الخليج تهتز وأكبر بنك عالمي يعلن عن تسريح 2100 موظف، بل آلاف الموظفين في مختلف دول العالم. استغلال النفوذ في زمن التسعينيات كان يؤثر في أداء مجموعة من الشركات ضمن بورصة واحدة عام 2009، فإن مثل هذا الأمر سيتسبب في معاناة آلاف الأسر حول الكرة الأرضية، إن هو حدث. لذلك فإن اقتصاد ما وراء الأسواق اقتصاد خطير جدا والشركة التي تخطئ في بلد منعزل ونام قد تتسبب في كارثة مالية لبورصات عالمية متقدمة. وهاهي التجربة الهائلة للمدير التنفيذي لشركة ساتيام SATYAM، وهي شركة تقدم خدمات الدعم الفني للشركات متعددة حول العالم تقدم لنا درسا في هذا المضمار، فعندما قام المدير التنفيذي بتضليل المساهمين من خلال التلاعب بالقوائم المالية فترة طويلة من الزمن كان يتلاعب أيضا في عدد من الشركات التي يقدم لها الدعم الفني في دول خارج حدود الهند ونفوذها الجغرافي، بل القاري ودون علم منها. وهكذا فانهيار السلوك المهني وعدم وجود نظام رادع في دولة ما قد يتسببان في خسارة هائلة لشركة أخرى في الجانب الآخر من المحيط.
القاعدة الكبرى لاقتصاد ما وراء الأسواق تقتضي أننا نعيش في عالم يتعقد يوما بعد يوم كلما ازداد بساطة، لذلك يجب علينا ألا نغضب كثيرا عندما ندفع جزءا من ثمن أخطاء الآخرين، إذا كنا سنربح القدر نفسه من إنجازاتهم.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي