محرقة غزة
تشن إسرائيل هذه الأيام حملة إبادة جماعية على غزة، حيث تستخدم القوة العسكرية المفرطة ضد أهداف مدنية بائسة لا تتمتع بأي نوع من أنواع الحماية العسكرية أو السياسية أو الاقتصادية. ففي ميدان العمليات العسكرية الذي يشمل القطاع كله، لا توجد أي وسائل دفاعية بإمكانها التصدي للأسلحة الفتاكة الجوية، البرية، والبحرية التي يستخدمها الجيش الإسرائيلي بكثافة ودون تمييز. يستطيع الجيش الإسرائيلي متى شاء وأين شاء استهداف أي موقع في القطاع بمخاطر شبه معدومة لأسلحته الثقيلة والخفيفة الفتاكة. ولا يملك المدافعون عن القطاع أي دفاعات جوية في طول القطاع وعرضه، وليس هناك أي مضادات حديثة ضد الدروع أو القطع البحرية. ولا يملك سكان القطاع حتى جيش نظامي مدرب يمكنه صد العدوان أو تهديد إسرائيل. يدافع عن القطاع مجموعة مليشيات ومتطوعين بإمكانات محدودة جداً، ولكنها تتمتع بروح معنوية عالية. تأتي أسلحة المدافعين في الغالب من داخل القطاع وتعتمد على التصنيع المحلي المحدود الموارد. ولا تساعد الطبوغرافيا الميدانية الحرب الفدائية (حرب العصابات) في قطاع غزة، حيث إن القطاع مكون من سهول ساحلية مكشوفة من جميع الجهات. وأعلى نقطة جغرافية في القطاع يبلغ ارتفاعها 105 أمتار فوق سطح البحر. القطاع عبارة عن شريط ضيق تبلغ مساحته 360 كيلو مترا، ومتوسط عرضه عشرة كيلو مترات وطوله نحو 40 كيلو متراً، ويسهل على الجيش الإسرائيلي اختراق القطاع في أي جهة سواء كانت جوية أو برية أو حتى بحرية. وتحد جغرافيا القطاع من فرص المقاومة للمناورة وتجبرها على التمترس في المناطق السكانية والمقاومة من داخلها، وهو خيارها الوحيد ولا مفر لها منه. وخروج المقاومة إلى العراء سيعرضها للإبادة. إضافة إلى هذه الظروف الصعبة، تعاني المقاومة والسكان من الحصار الخانق المفروض عليها بمباركة دولية وتساهل وتهاون عربي مخز. ولا تبدي الدول العربية أي استعداد لوقف إسرائيل أو التصدي لعدوانها عسكرياً، ولا تحاول حتى إمداد أهل القطاع بما يحتاجون إليه من مؤونة وسلاح.
في المقابل تتمتع إسرائيل بتفوق عسكري ساحق في العَدد والعُدد والتقنية، وتتمتع بالإمداد والدعم العسكري اللامتناهي من الولايات المتحدة وكثير من الدول الغربية. ولا تلتزم إسرائيل وأعوانها بأي معايير أخلاقية أو دينية أو إنسانية يمكن أن تمنعها من ارتكاب الجرائم الوحشية، وتنفيذ الإبادة الجماعية، وارتكاب جرائم الحرب، فالعقلية الصهيونية تنظر لغير اليهود بنظرة دونية وتعتبر التضحية بهم أمراً مقبولاً لتحقيق وخدمة أهدافها. وقتل غير اليهود مبرر للوصول إلى أهداف الصهيونية الشريرة، حتى لو كانوا أطفالاً أو نساء آمنين في بيوتهم أو أماكن عبادتهم أو مدارسهم ومستشفياتهم. وتساند العقلية الغربية هذا المفهوم من خلال الاعتقادات الخاطئة التي يتبناها كثير منهم، خصوصاً البروتستانتيون. يتمثل هذا الاعتقاد أن فلسطين هي أرض الميعاد وهي تخص اليهود وأن على العرب تركها لهم، لهذا يرى كثير منهم، خصوصاً في الولايات المتحدة أن من حق إسرائيل الاستيلاء على فلسطين والتضحية بغير اليهود في تلك المنطقة من أجل تحقيق بعض النبؤات الباطلة. وهذا هو السر الحقيقي وراء دعم الولايات المتحدة وكثير من الدول الغربية لإسرائيل. ويتبنى هذه النظرة كثير من المجموعات الدينية الغربية المتعصبة، الذي يعتنق الرئيس الأمريكي بوش ومعظم أعوانه من المحافظين الجدد آراءها الغريبة.
وتتمادى إسرائيل في اعتدائها وجرائمها في قطاع غزة لثقتها بعدم تعرضها لمخاطر سياسية أو عسكرية أو اقتصادية من أي جهة دولية أو إقليمية، فهي لا تخشى التعرض لأي عقوبات دولية، فالقوانين والعقوبات الدولية والمقاطعة والحصار الاقتصادي ينفذ فقط ضد الدول العربية والإسلامية ولأتفه الأسباب. أما إسرائيل فهي بمأمن من هذه العقوبات بسبب رعاية الغرب وتدليله لها. أما على المستوى الإقليمي، فإن الدول العربية بما في ذلك السلطة الفلسطينية ليست مستعدة ولا لديها نية أو رغبة أو إرادة لاستخدام أو توجيه أي تهديد سياسي أو عسكري أو اقتصادي لإسرائيل أو الدول الداعمة لها بصورة مباشرة مثل الولايات المتحدة أو بصورة غير مباشرة كباقي المعسكر الغربي. وترى معظم الدول والأطراف العربية والإسلامية أن ما يحدث في غزة لا يستحق المخاطرة بالمجابهة مع إسرائيل ولا يوجب بذل التضحيات أو اتخاذ أي إجراءات ضد إسرائيل أو الدول الداعمة له. وحتى الدول العربية التي تزود إسرائيل بالطاقة من نفط أو غاز ليست على استعداد للتضحية بإيرادات النفط والغاز ووقف تصديرهما لإسرائيل من أجل غزة. ولا يخفى على عاقل أن آلة الحرب الإسرائيلية تسير بالنفط والغاز العربي ويدعم استخدامهما بصورة مباشرة حرق غزة ويسهل الإجهاز عليها.
إن مشهد الأحداث المؤسف في المنطقة يقول لأهل غزة لا تنتظروا العون من أحد، إنما عليكم الاعتماد على الله ثم سواعدكم لمواجهة المحرقة.
تبذل محاولات لوقف إطلاق النار والخروج بتسوية مؤقتة للأزمة، وعلينا ألا نغتر بحماسة بعض الدول الغربية في هذا المجال، فالدول الغربية تلعب مع العرب والمسلمين لعبة الكراسي التي تتمثل في تبني عدة مواقف مختلفة من القضية ولكنها في النهاية تهدف وتتفق على دعم إسرائيل، فهناك دول مثل الولايات المتحدة تساند إسرائيل بشكل مطلق ودون أي تحفظات ولا تكترث بحقوق ومشاعر العرب والمسلمين وتبرر عجرفتها بأتفه التبريرات. وتوجد دول أخرى تدعم شيئاً من الحقوق الفلسطينية، ولكنها تدعي أنها محبة للسلام وضد العنف. هناك دول تدعي أنها صديقة للعرب وتريد لعب دور الوسيط، ولكنها في الباطن تؤيد إسرائيل.
إن الحقيقة المرة التي يجب إدراكها أن كل الدول الغربية تدعم إسرائيل، ولكن بدرجات متفاوتة. وتحاول بعض من هذه الدول إيهام العرب والمسلمين أنها محايدة أو محبة للسلام وذلك لتعظيم مكاسبها السياسية والاقتصادية من علاقاتها مع الدول العربية والإسلامية. وقد تستغل بعض الدول نظرة الكثير من العرب الإيجابية تجاهها لطرح مشاريع قرارات دولية تخرج إسرائيل من مآزق فشل سياساتها العدوانية وتحقق أهداف إسرائيل بصورة دبلوماسية في حالة فشلها العسكري، وهذا ما تفعله فرنسا هذه الأيام بالنسبة لقطاع غزة.
إن ما يجري لغزة وأهلها هذه الأيام يثير الحزن واليأس والغضب في نفوس معظم العرب والمسلمين، ولكن عجز العرب والمسلمين عن التأثير في مجرى الأحداث في غزة ونصرة إخوانهم، في نظري، أخطر بكثير مما يجري فيها، فعجز أمة وعلى الأصح مجموعة أمم لفترة طويلة من الزمن يعني انكشافا استراتيجياً خطيراً يهدد وجود هذه الأمم. وإذا لم تتحرك هذه الأمم بصورة فاعلة فإن الأعداء سيتصرفون كيف ومتى شاءوا مع هذه الأمم دون الخوف من مواجهة مخاطر المقاومة. وإذا استمر العرب والمسلمون في التقاعس عن نصرة قطاع غزة وأهلها في هذه الأيام، فإن كثير منهم سيواجه مصير غزه ويعاني الأحزان نفسها التي تمر بها. وينبغي أن يترفع العقلاء في هذه الأمة عن مهادنة العدوان للتخلص من حماس أو نكايةً بها، فالذي يُذبح هم أهلنا والأرض التي تدنس وتستباح هي أرض المسلمين ومهاجمة حماس إنما هو ذريعة لتدمير أي قدرة ولو بسيطة للمقاومة وتصفية القضية الفلسطينية.
يدعي الصهاينة أنهم تعرضوا لمحرقة في الحرب العالمية الثانية، ولكن ما يفعلونه بغزة أكثر بشاعةً من المحرقة المزعومة. وقد تفننوا في أساليب حرق الأطفال والنساء والعجزة ودور العبادة والمستشفيات مدعين كذباً أنهم يدافعون عن أنفسهم. وتستخدم إسرائيل وأعوانها الكذب المستمر والمفضوح عندما يصورون غزة بأنها المعتدية وهم يمارسون أقسى ما لديهم من فنون التدمير والحرق في الاعتداء عليها، بل وصلت البجاحة بهم أن يطلبوا وقف عدوان غزة ووقف السلاح عن غزة وهم يملكون أحدث الأسلحة وأعتاها ويرسلون جسوراً جوية وبحرية وبريةً لا تنتهي من إمدادات السلاح والمال. ولا يمكن تجاهل صعوبة موقف المقاومة في غزة واستحالة كسبها المعركة العسكرية الحالية في ظل إمكاناتها المحدودة والتفوق العسكري الهائل لإسرائيل وعجز الدول العربية عن مساندتها، ولكن الحرب طويلة وسيأتي اليوم الذي تنتصر فيه الأمة. وتثبت وقفة وصمود قطاع غزة بعزة وشموخ أن هذه الأمة مازالت عظيمة وقادرة على العطاء والمقاومة، فإذا كان باستطاعة شعب محاصر وشبه أعزل صد جيش من أعتى الجيوش وأكثرها دمويةً في العصر الحديث، فإن بإمكان الدول الكبيرة والقوية التصدي للهجمة الشرسة التي تتعرض لها إذا توافرت لديها الإرادة والعزم.