مصر تجيز الفوائد على الودائع .. وبنوكنا تؤسلم الإقراض وتتجاهل الإيداع
أجازت "دار الإفتاء"في مصر في فتوى رسمية التعامل مع البنوك، والحصول على فوائد الأموال المودعة، مؤكدة أن القول الذي ذهب إلى توصيف المعاملة بين البنك والمودع والمستثمر بأنها من قبيل الاستثمار هو الأولى بالاتباع، رغم إشارتها إلى وجود اختلافات حول أعمال البنوك والحكم عليها والإفتاء بشأنها.
وأباحت الفتوى إيداع الأموال في البنوك لاستثمارها في تمويل المشاريع الكبيرة، وأخذ عائد استثماري عن المبلغ المودع و"إن كان محددا"، كما أجازت للبنك أن يأخذ العائد المتفق عليه مع أصحاب المشاريع الكبيرة التي يتم تمويلها، "باعتبار ذلك استثمارا وليس قرضا, ولذا فهي من العقود الجديدة غير المسماة التي يجوز استحداثها".
لكن الفتوى استدركت أن ما ورد فيها يراعي الحالة المصرية، طبقا لآخر تعديلات قانون البنوك ونظام البنك المركزي وقواعد الجهاز المصرفي وكل الأنظمة المشابهة لذلك في الدول الأخرى، أما النظم التي لا تشابه ذلك أو تعده قرضا أو تجيز الإقراض مع الزيادة؛ فالأصل فيها الحرمة وتحتاج مع ذلك إلى بحوث مستقلة.
وبنيت الفتوى على أن أهل الاقتصاد يقولون إن العلاقة بين المودع والبنك هي علاقة استثمار وإن الفائدة من قبيل العائد الاستثماري الثابت، وعليه يكون البنك وكيلا عن المودع في استثمار هذه الأموال، والعائد الاستثماري تم الاتفاق عليه بالتراضي بين البنك والمودع، حيث يقصد المودع أن يستثمر له البنك هذه الأموال فيما أحله الله مع تحديد الربح مقدما زمنا ومقدارا، وقد وقع الاختلاف بين الفقهاء الذين تتابعوا هذا التوصيف في تحديد الربح مقدما، فمنعه بعض الفقهاء وقالوا إنه حرام وغير جائز شرعا، بينما رأى فريق آخر من الفقهاء، أن هذه المعاملة لا تخضع لأي نوع من أنواع العقود المسماة التي ورد بشأنها التحريم، وهي معاملة نافعة للأفراد والمجتمع وليس فيها استغلال أو غش أو خداع أو ظلم من أحد طرفي التعامل للآخر، أو هي من قبيل المضاربة الشرعية، ولا يمنع من كونها مضاربة تحديد الربح مقدما، لأنه من باب الوعد لتحقيق هذا المسمى عند التعاقد اعتمادا على الغالب في مثل هذه المعاملات من تحقيق الربح في المعاملات التي تحققت قبل هذا العقد .
وعلى هذا فالفتوى أباحت إيداع الأموال في البنوك لتمويل المشاريع بفائدة، كما أباحت الفتوى للبنك أن يأخذ عائدا على الأموال المقرضة بحجة أنها استثمار وليست قروضا, واصفة التعامل بين البنك والمستثمر بأنه نوع من العقود الجديدة غير المسماة والمستحدثة.
الفتوى الجديدة في رأيي ستجدد الخلاف بين علماء المسلمين حول هذا الموضوع, وهو خلاف قديم اتفقوا فيه على تحريم الربا لكنهم اختلفوا في وصف بعض التعاملات من حيث ربويتها من عدمه، كما أنها ستنسف الأساس الذي قامت عليه البنوك الإسلامية بشكل كامل وربما يؤثر في أعمالها في المدى البعيد في كثير من الدول الإسلامية التي تعتمد ما يصدر عن دار الإفتاء في مصر.
لست هنا في وارد التعليق على الفتوى من حيث تأصيلها والحكم عليها لكني وبمناسبة صدورها بهذه الصراحة أدعو إلى نقاش مستفيض حول هذا الأمر, خصوصا ما له علاقة بالمستجد من التعاملات غير المعروفة في السابق يشترك فيه بالرأي خبراء الاقتصاد والتمويل والقانون من أجل عشرات بل مئات الملايين من المودعين الذين يتجنبون حتى اليوم ـ ورعا ـ تقاضي أي عمولات على ودائعهم.
لدينا في المملكة حتى نهاية تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي نحو 343 مليار ريال ودائع تحت الطلب, أي ودائع لدى البنوك لا يتقاضى عليها أصحابها أي فوائد, وهي مبالغ ضخمة تستفيد منها البنوك في تعظيم أرباحها دون أي مقابل, و تقدر الفوائد التي تحصل عليها البنوك من استثمارها بنحو عشرة مليارات ريال سنويا.
البنوك استطاعت كي تعظم أرباحها أن توجد وبمساعدة هيئات شرعية طرق معاملات إسلامية للمقترضين سواء كانوا أفرادا أو منشآت, واستطاعت بهذه الخطوة أن تزيد حجم قروضها وأرباحها معا لكنها لم تقم بأي جهد لأسلمة أو شرعنة العمولات على الودائع المودعة لديها في تصرف غريب ينم عن أنانية متناهية وتسابق على تعظيم الربح حتى لو كان على حساب المودعين الذين ساعدوها على وصول عمليات إقراضها وأرباحها إلى هذا الحد.
لا أعرف سببا مقنعا يجعل البنوك والهيئات الشرعية تستفيد من المعاملات الإسلامية في تسويق القروض التي تعود عليها بالأرباح الطائلة ولا تعتمد مثل هذه التعاملات لدفع عوائد أو أرباح لأصحاب الودائع التي بلغت كما ذكرت 343 مليار ريال. أعلم أنها لم تعتمد وتسوق المعاملات الإسلامية حبا فيها ولكنها سوقتها حبا في جني الأرباح الطائلة من ورائها لكنها غير مستعدة أن تدفع ريالا واحدا للمودعين مقابل أموالهم وغير مستعدة أن تدفع ريالا واحدا لأعضاء الهيئات الشرعية لبحث الطرق التي يمكن عن طريقها دفع عوائد أو أرباح للمودعين بطرق شرعية.
هذا الخلل ناتج عن فجوة في تنظيم التعاملات المصرفية الإسلامية التي تركت للبنوك وحدها فأخذت منها ما تريد وردت ما لا تريد، فالتعاملات الإسلامية لا تطبق على المقترض فقط بل تطبق أيضا على المودع، وعلى هذا فإن هذا الخلل قد يقود بعض المودعين لدينا إلى أن يعتمدوا على فتوى دار الإفتاء المصرية في المستقبل التي تجيز لهم تقاضي فوائد على أموالهم، إذا لم تتدخل الجهات المسؤولة ممثلة في مؤسسة النقد والهيئات الشرعية في البنوك في هذا الأمر لتوضيح الطرق الشرعية التي تسمح للمودعين بتقاضي عوائد أو أرباح على أموالهم باعتبارهم مستثمرين.