يا عرب .. من نكون؟
أثبتت الأحداث المتوالية منذ أمد بعيد أن اللغة لا تكفي أن تكون الرابط الوحيد لاجتماع العرب والتئام شملهم ووحدتهم. ذلك أن اللغة وعاء للفكر والثقافة ووسيلة للتعبير عن التوجهات والرؤى حول الواقع وربما تشكيله وتصوره بكل أبعاده الاجتماعية والسياسية والاقتصادية. وقد تكون هناك مصطلحات جديدة استجلبت من ثقافات أخرى وأضيفت للقاموس العربي وفرضت على المجتمع المسلم كرها وإجبارا مثل الاشتراكية والديمقراطية والعلمانية دون اعتبار للسياق الثقافي ودون مراعاة للقيم والمبادئ الإسلامية والتقاليد العربية. اللغة كلمات والكلمات لها مدلولات والمدلولات تحددها الفلسفة والفكر. وإذا كانت الفلسفة والفكر السياسي لا ينسجمان مع قيم المجتمع يكونان غريبين غير مفهومة. ولذا فالرابط الحقيقي هو العقيدة والفلسفة والإرث الحضاري التراكمي للمجتمع المسلم العربي والنظرة المشتركة التي تحدد وتحقق مصلحة الأمة. ولكن ما مصلحة الأمة؟ ومن يحددها؟ وكيف يتم تحقيقها؟ البعض رأى في اتباع أنظمة أمم الشرق والغرب السبيل للوصول إلى ما وصلوا إليه، وهذا يحتم بالضرورة حسب هذا الرأي التخلي عن الثقافة الإسلامية كمنهج حياة واختزاله في دائرة العبادات الضيقة وتحويله إلى شعائر وطقوس دينية جامدة لا تأمر بمعروف ولا تنهى عن منكر بالمفهوم الواسع الذي يقود الأمة لخيريتها. فهؤلاء يرددون ما ردده الغربيون في فصل الدين عن الدولة لأن الدين في رأيهم يقف حجر عثرة في عملية التطوير الحضاري والتقدم العلمي. وهذا الرأي نتاج تجربة قاسية عاشتها أوروبا في العصور المظلمة تحول فيها الدين إلى عائق للتطور. وشتان بين دين حرف وأدخل أتباعه في غياهب الجهل والخرافة والكهانة يحجر على العقل ويمنع التفكير والتأمل والإبداع، ودين ارتقى بأمة أمية - في صحراء قاحلة يتناحر أفرادها لأتفه الأسباب ويتفاخرون بالأنساب لا بالإنجاز - لأن تقود العالم في حركة أخلاقية حضارية علمية تصحيحية لم ولن يشهد العالم مثيلها. ذلك أنها حضارة تبني ولا تهدم فلم تكن مخترعاتها وجهدها العلمي كما حضارة الغرب موجهة نحو إنتاج أسلحة الدمار والتخريب ومخترعات تنتج العوادم والملوثات ونظما اقتصادية مبنية على الاستهلاك الجائر الذي أتى على الأخضر واليابس، إذاً الحضارة الغربية قدمت الكثير ولكن على حساب تدمير الأرض ودون رادع أخلاقي. فها نحن أهل الأرض نعاني ظاهرة الاحتباس الحراري التي ستغير وجه الأرض وطبيعتها. ومع هذا فقد أعمى الانبهار برونقها كثيرا من العرب فراحوا يلبسون لبسهم ويأكلون بطريقتهم وظنوا أنهم بذلك أصبحوا مثلهم وأنهم وصلوا إلى ما وصلوا إليه من التقدم والرقي لينعتوا الآخرين بالرجعية والتأخر والجهل، بل لم يكتفوا بذلك فأعدوا العدة بإذاعات تنعق بشتى الأفكار المستهجنة وجيشوا الجيوش ليفرضوا توجهاتهم على الآخرين قوة وعنوة، فلا صوت يعلو فوق صوت المعركة وليخرس الجميع. كان شعارهم القومية والعصبية ونهجهم الاشتراكية والعدل والمساواة وينشدون الوحدة والحرية وإذ هي شعارات كاذبة فارغة وأنظمتهم شمولية ديكتاتورية قمعية أوردت العرب التشتت والهزيمة والانقسام والفقر والجهل والبطالة وأظهرت الفساد والمجون والانحلال، وكل ذلك باسم التقدم. لقد كانت طفرة عاطفية ومشاعر متأججة حيال أوضاع خلقها المستعمر لتظهر الحمية حمية الجاهلية الأولى وتفقد العرب توازنهم لتتبدل المفاهيم والقيم وتضمحل الثقافة الإسلامية ويعم الجهل وينسلخون من حضارتهم الإسلامية الراقية ليأتي من الجهال في زيه العسكري ليتولى أمر الأمة وليطأ بدبابته على القيم الحضارية الإسلامية ويحطمها ورعاع الناس من خلفه يهتفون بغوغائية وإذا به يتحول إلى سلطان جائر يكمم الأفواه وينحر الحرية ويحارب الإسلام في دياره وليقول ما أريكم إلا ما أرى. هذه مشكلة العرب الأولى في تشبثهم بالأشخاص وليس بالعمل المؤسسي ليكون الإنجاز مجموعة خطب رنانة تدغدغ المشاعر ولتنتفخ صورة القائد الملهم في مخيلات الجماهير لتهتف باسمه حتى وقت الهزيمة والخذلان! إنه الوضع المأساوي الذي ظل يلازمنا ردحا من الدهر دون أن تلوح في الأفق بادرة تطور مؤسسي وتنمية سياسية حقيقية وارتقاء صناعي يجعلنا في مصاف الدول التي تقدمت من الخلف وتجاوزتنا، مثل كوريا وماليزيا وسنغافورة.
وما زال العرب يتغنون بقوميتهم مع أنهم بالكاد يستطيعون الاتفاق على اجتماع أو قرار أو حتى موقف! بل لا تكاد دولة إلا وتعادي أختها مرة خفية ومرة جهارا نهارا! إنها القومية، الاجتماع الوهمي والاعتقاد الباطل والعلاقة المبتورة والفراغ العقائدي والغياب الفلسفي. ليس المهم أن نتكلم اللغة نفسها بل الأهم أن تكون لغة الحوار راقية ويكون الاحترام والتقدير متبادلا ويكون العمل مؤسسيا واضح المعالم في إطار ثقافة مشتركة يؤمن بها الجميع ويعملون من خلالها ومن أجلها. كيف السبيل إلى ذلك وهناك إغراق في "الشخصنة" في إدارة المجتمعات حتى أصبح الرئيس هو الدولة والدولة هي الرئيس، مع أنهم أرادوها جمهوريات وإذ بها تكون ملكا عضوضا وليس لها من النظام الجمهوري إلا الاسم! فدساتير وطنية ضخمة ومجالس شعب تكتظ بأعضائها ولكنها كزبد البحر دون فائدة ولا حول ولا قوة كسراب يحسبه الظمآن ماء وإذ هي صحراء قفراء لا تنبت كلأ ولا عشبا، شعوب مغلوبة على أمرها سلبت إرادتها وكرامتها وألزمت خلع ثقافتها الإسلامية مصدر عزها وقوتها واستبدلت بثقافة هجينة حتى فقدوا هويتهم وأضحوا يجهلون ماذا يريدون! إنه الضياع بعينه والهزيمة المحققة لأن الإنسان دون هوية وعقيدة ثابتة مستقرة في الوجدان ونظام اجتماعي وسياسي يتوافق معها ويرعاها ويحقق مطالبها في انسجام تام لا يدافع عنها، وكيف يدافع عن مفقود وما لا يفهمه ولا يملكه ويعتقد به!
العرب قبل الإسلام كانت تتحكم فيهم الفرس والروم يقدمون الجزية عن يد وهم صاغرون، حتى جاء الإسلام فحول العرب إلى بناة حضارة أثرت وأسهمت في التطور الإنساني. ولذا لن تقوم للعرب قائمة إلا بتمسكهم بالإسلام عقيدة ومنهجا فكما قال عمر الفاروق محرر بيت المقدس "نحن قوم أعزنا الله بالإسلام ومهما ابتغينا العزة بغيره أذلنا الله". وهكذا تتضح الصورة جلية في أن الهوية مفقودة فلم يشفع لعرب غزة عروبتهم وتركوا للعدو الغاشم يتفرد بهم ولم يجرؤ من حولهم حتى على طرد سفرائهم. أخشى أننا نردد "بلاد العرب أوطاني" دون أن يكون لذلك معنى، تماما مثل شعارات من كان يلقننا إياها! هوية العرب الحقيقية بالإسلام ودونه نكون دون هوية. فقدان الهوية سبب التيه والتشرذم الذي تعيشه الأمة، فهل يكون صمود المقاومة في غزة بداية تعزيز الهوية الإسلامية؟