المؤسسات الصحافية السعودية.. في مواجهة الأزمة المالية العالمية!
تلقت بعض المؤسسات الصحافية السعودية خطابات من شـركات وطنية ذات وزن ثقيل في مجال شراء مساحات واسعة للترويج والإعلان، وجاء في الخطابات أن هذه الشركات تود تقليص المساحات الإعلانية التي سبق حجزها، ذلك لأن هذه الشركات خفضت بند الدعاية والترويج في ميزانية 2009 حتى تستطيع مواجهة التأثيرات السلبية التي ستنجم عن الأزمة المالية العالمية.
ومن ناحيتها فقد بعثت المؤسسات الصحافية في السعودية رسائل عاجلة إلى الأعضاء العاملين في المؤسسات، ونبهت إلى أن إيرادات المؤسسات في عام 2009 ستنخفض نتيجة لانخفاض إيرادات الإعلان، وإنه بناء على ذلك تم تقليص توقعات أرباح العام المالي 2009.
وفعلاً نلاحظ ونحن نطالع الصحف المحلية أن شركات السيارات وشركات تقنية المعلومات وشركات التطوير العقاري بدأت دوراتها الإعلانية تنخفض بشكل واضح.
وإذا كنا جميعاً نتوقع الآثار السلبية للأزمة العالمية، فإن الإدارة الجيدة في المؤسسات الصحافية.. هي التي تستطيع أن تخفف من الآثار السلبية للأزمة، بل إن الإدارة الأقوى هي التي تستطيع أن تحافظ في الأزمات على معدلاتها الطبيعية بالنسبة للإيرادات والتوزيع، أمَا أن تسلم الإدارة نفسها للأزمة وتكتفي بإبلاغ الأعضاء، ثم تنام في العسل، فإنها ستقود المؤسسة إلى ما لا يحمد عقباه، بمعنى أن الإدارة في المؤسسة الصحافية مسؤولة عن تخفيف الأزمة إلى أدنى حد ممكن، بل مسؤولة عن مواجهة الأزمة وتحويل الخسائر إلى أرباح، وكثيرة هي الإدارات التي حولت الخسارة إلى مكاسب، أو حولت الفشل إلى نجاح.
ولا شك أن القيادة الإدارية تلعب دوراً مؤثراً في تطبيق النظريات العلمية بمهنية عالية، وهي لذلك كفيلة بتحسين موقف الشركات، ونذكر ـ على سبيل المثال ـ إن نظرية الجودة الشاملة TQM من أهم النظريات التي لعبت دوراً كبيراً في زيادة الإيرادات وتحقيق الأرباح لكثير من الشركات, وإذا كان الفساد الإداري هو الذي دمر الاقتصاد الدولي، فإن الإدارة هي التي تستطيع أن تنقذ الشركات من الآثار السلبية للأزمة العالمية.
ولذلك فإن الإبلاغ عن الأزمة القادمة لا يعفي الإدارة من مسؤوليات مواجهة الأزمة وتحقيق مكاسب إزائها والعمل ـ بطريقة أو أخرى ـ على زيادة الإيرادات والأهم من زيادة الإيرادات هو خفض النفقات ولا سيما النفقات التي لا مبرر لها.
والواقع أن المؤسسات الصحافية السعودية يجب أن تستعد لمواجهة الأزمات الأكثر عنفاً، لأن هذه الأزمة لن تكون الأولى ولا الأخيرة، ويجب ألا ننسى أن الصحافة الورقية مقبلة على سلسلة أزمات قد تودي بحياة كثير منها، وأذكر أن الصحافى فيليب ميير أصدر كتاباً بعنوان "نهاية الصحافة" وقال فيه إن عام 2043 سيشهد طباعة آخر صحيفة ورقية في الولايات المتحدة، في حين كان مايكل روجر المحرر العلمي في صحيفة "نيويورك تايمز" أكثر تشاؤماً حينما قال إن الصحافة الورقية ستصدر آخر أوراقها في عام 2017.
من ناحيتها أشارت إحدى شركات الأبحاث الأمريكية إلى أنه جرى الاستغناء عن أكثر من 3500 صحافي وصحافية منذ عام 2000 بنسبة 7 في المائة من إجمالي الصحافيين، كما تم تخفيض عدد المراسلين في مناطق عديدة مثل فيلادلفيا الذي يغطي أخبارها الآن 220 مراسلاً وهو ما يمثل نصف عدد عام 1980، ولا نذهب بعيداً فإننا إذا طالعنا صحفنا السعودية في مواقعها الإلكترونية، وقارنا عدد قراء عام 2006 بعامي 2007و2008 فإننا نجد أن أعداد القراء يتزايدون بمعدلات مذهلة، وإذا استمرت هذه المعدلات عبر الأجيال المقبلة وتحول القراء من قراءة النص الورقي إلى قراءة الصحف في المواقع الإلكترونية، فإن الإنترنت سيسحب بعض الصحف الورقية إلى الصحافة الإلكترونية، وإذا اتسعت جماهيرية الصحف الإلكترونية أكثر وأكثر، فإن هذا أدعى إلى التفكير في إلغاء بعض الصحف الورقية وتحويلها إلى صحف إلكترونية بهدف توفير جزء كبير من الرساميل التي تصرف على مكائن الطباعة والورق والأحبار التي أضحت تلتهم جزءاً كبيراً من رأس المال، إضافة إلى رواتب العاملين ومصاريف الصيانة واستهلاك الكهرباء، وما حدث لصحيفة "وول استريت جورنال" التي أصبحت ـ فيما بعد ـ تعتمد بشكل أساسي على موقعها الإلكتروني، وكذلك ما حدث لصحيفة "نيويورك تايمز" التي أخذت تسجل أرقاماً مذهلة لعدد زوارها بشكل فاق بكثير الزيادة في عدد قراء صحيفتها الورقية، ولقد كان خبر إعلان إفلاس صحيفة "لوس أنجلوس تايمز" الشهر الماضي أشبه بانفجار قنبلة إعلامية، وفي حين تبدو الصحف والمؤسسات الصحافية في العالم العربي آمنة في المدى المنظور إلاً أن المستقبل يبيت لها مستقبلآً مجهولاً، أمًا دونالد غراهام رئيس مؤسسة واشنطن بوست كومباني فقال إن النموذج الاقتصادي للصحافة المكتوبة لم يعد مجدياً، وهذا ما يتناقله عدد متزايد من مراقبي ومتابعي الإعلام الأمريكي، حتى صحيفة "كريستيان سينس مونيتور" العريقة فإنها استكملت إجراءات تحويلها إلى صحيفة إلكترونية بحتة.
واضح مما سبق أن القضية ليست قضية تنافس بين صحافة ورقية وصحافة إلكترونية، وإنما نحن ندخل عصراً تكنولوجياً جديداً يختلف تماماً عن التنافس الرتيب المتواضع بين وسائل الإعلام، أي نحن لا نتنافس ولكن نقف أمام عصر جديد تشع فيه ثورة التكنولوجيا، ولقد سجلت شبكة الإنترنت العالمية تقدماً ملحوظاً وأصبح لها وظائف اقتصادية وسياسية وثقافية ومعلوماتية واتصالية كثيرة ومتعددة، واستطاع الإنترنت بالفعل أن يغير مجرى التاريخ, أن يعيد بناء العلاقات بين الأمم والشعوب، وأن يسدد ضربات موجعة لكل وسائل الإعلام وبالذات للصحافة الورقية بل والكتابات الورقية بصورة عامة.
إن المطلوب من المؤسسات الصحافية السعودية خاصة والعربية بعامة أن تعترف أن صحافتنا الورقية التي تغنينا بها لعقود طويلة.. تشـك أن تصبح من مخلفات الماضي، وإن الوقت قد حان للبحث عن أسلوب إعلامي جديد في عصر ينفجر بالمعلومات من كل مكان وفى كل مكان، وإذا كانت المؤسسات الصحافية تتعرض في الحاضر لأزمة في المال، فإن أزمة المستقبل ستكون أزمة وجود أو لا وجود.