رفع الإنفاق الحكومي يحفز الاقتصاد المحلي والعالمي
تعتمد المملكة بدرجة كبيرة على الناتج النفطي والدخل المتحصل منه. وتشكل الإيرادات النفطية معظم الإيراد الحكومي كما أنها توفر الدخل اللازم لتمويل الواردات من السلع والخدمات. وتؤثر تقلبات النفط السعرية على مستوى الإيرادات الحكومية بدرجة كبيرة. حيث ترتفع مساهمة الإيرادات النفطية إلى أكثر من 90 في المائة من إجمالي الإيرادات الحكومية عند ارتفاع أسعار النفط، وقد تنخفض هذه المساهمة إلى 70 في المائة من إجمالي الإيرادات عند انهيار أسعار النفط. وتؤدي هذه التقلبات إلى إحداث درجة كبيرة من عدم اليقين بمستوى الدخل المتحصل من النفط. ويؤدي انخفاض دقة تقدير الإيرادات النفطية إلى صعوبة تحديد الإيراد الكلي للحكومة. ونتيجةً لذلك يتأثر الإنفاق الحكومي خلال مسيرة الميزانية السنوية مدخلاً معه تغيرات على برامج الصرف العام. وتبذل الإدارات الحكومية المكلفة بإعداد الميزانية جهودا مضنية لتقدير الإيراد المتوقع وتحديد برنامج مصروفات الميزانية. وتميل في العادة إلى التحفظ في تقدير هذه الإيرادات لتجنب المبالغة في المصروفات قدر الإمكان ولتوفير قدر كبير من الاستقرار في مستويات الصرف. وشهد هذا العام تأرجحا كبيرا في الأسعار, حيث بلغت أسعار النفط في تموز (يوليو) أعلى مستوياتها عندما بلغت 147 دولاراً لزيت غرب تكساس الأمريكي أو نحو 142 دولاراً للزيت العربي الخفيف. وقد أدت هذه الأسعار إلى مناداة الكثير من المواطنين بضرورة رفع مستويات الصرف وضرورة رفع الرواتب والمناداة بضرورة إحداث برامج دعم كبيرة. وكانت الحكومة تتعرض لضغوط قوية من قبل الجمهور بضرورة رفع مستويات الإنفاق للحد من التأثيرات السلبية لارتفاع تكاليف المعيشة. وقد رفعت الحكومة مستويات الإنفاق عن مستويات الميزانية المقررة في بداية العام، وذلك استجابة لمناداة المواطنين ولمواجهة ارتفاع تكاليف تنفيذ المشاريع. ومكن الارتفاع الحاد في الدخل النفطي الحكومة من رفع مستويات الإنفاق. وتجاوزت الصادرات النفطية التريليون ريال واقتربت الإيرادات النفطية من نحو تريليون ريال في عام 2008.
وقد أدى ارتفاع الدخل الحكومي بقوة وموجة التضخم الذي صحبته إلى استحداث العديد من البرامج مثل برامج الدعم الحكومي، كما ارتفعت بعض أبواب الإنفاق الجاري وتكلفة المشاريع. وفي المقابل حذر عدد من المختصين من الاندفاع في رفع مستويات الإنفاق وطالبوا بالحد من النمو القوي في الإنفاق للحفاظ على أموال الدولة وادخارها لأوقات التراجع الاقتصادي ولتجنب الضغط على الأسعار، ولكن أصوات المنادين برفع مستويات الإنفاق كانت أقوى. ونتيجةَ لذلك ارتفعت مستويات الإنفاق الفعلية لتتجاوز المخطط لإنفاقه في الميزانية بأكثر من 100 مليار ريال.
وجاءت الأزمة المالية العالمية بعد انفجار فقاعة العقار الأمريكية. وانقلبت أحوال أسواق السلع العالمية وانهارت من ضمنها أسعار النفط. وتراجعت أسعار النفط بقوة بعد ثلاثة أشهر من بلوغها مستوياتها القياسية إلى مستويات متدنية هي الأقل في عدة سنوات. وتغيرت توقعات الأسعار من 250 دولاراً للبرميل في منتصف عام 2008 إلى 25 دولاراً في نهاية العام. ومع هذا التراجع ظهرت رشادة المنادين بضرورة عدم التسرع في رفع مستويات الإنفاق في جميع الظروف والأوقات. وترتفع الحاجة إلى الرشادة في الإنفاق في أوقات الضغوط القوية على الطلب الكلي وذلك للحد من معدلات التضخم. ويقود ارتفاع الإنفاق الحكومي في أي قطاع إلى دفع مستويات الطلب ودفع الأسعار لأعلى. وأسهم ارتفاع الإنفاق الحكومي بشدة خلال الأعوام الماضية في ارتفاع الأسعار وغذى مستويات التضخم.
وستحقق الحكومة توازناً في الميزانية إذا بلغ متوسط أسعار النفط 50 دولاراً للبرميل في العام المقبل. ويتغير إيراد الدولة بما بين عشرة إلى 12 مليار ريال لكل تغير مقداره دولار واحد في متوسط سعر برميل النفط السنوي. فإذا بلغ متوسط أسعار النفط السنوية 40 دولاراً في عام 2009, فإن هذا سيعني عجزاً يراوح بين 100 و120 مليار ريال في حالة استمرار الإنفاق على مستويات عام 2008م نفسه. وتظهر الميزانية العامة للدولة في عام 2009 عجزاً مقداره 65 مليار ريال، وهذا ناتج من تراجع الإنفاق المخطط له في ذلك العام بنسبة 6 في المائة عن مستويات الإنفاق الفعلي في عام 2008. أما إذا تدهورت أسعار النفط إلى مستوى 30 دولارا, فإن حجم العجز الحكومي سيتجاوز 160 مليار ريال. وباستطاعة الدولة الاستمرار في الإنفاق حسبما خطط له في الميزانية حتى لو انخفضت أسعار النفط إلى هذه المستويات المتدنية، ولكن يصعب الاستمرار في الإنفاق عند هذه المستويات لفترات زمنية طويلة. وقد بنت الدولة احتياطيات مريحة تستطيع بموجبها تحمل عجز في الإيرادات بهذا المستوى لعدة سنوات. كما تستطيع الدولة الاستدانة مجدداً في حالة رغبتها في الحفاظ على احتياطياتها. ولكن ظروف التراجع الاقتصادي العالمي والمحلي تتطلب سحب الدولة من الاحتياطي لتجنب مزاحمة القطاع الخاص على موارد الائتمان. ويمكن الجزم على مستوى عالٍ من الثقة بغياب أية مخاطر كبيرة تهدد الوضع المالي للدولة. ومن المتوقع أن تكون المملكة إضافة إلى عدد من الدول الصاعدة في آسيا مثل الصين والهند وبقية النمور الآسيوية من محركات النمو القليلة على مستوى العالم في عام 2009. ولعل رفع المملكة للإنفاق الحكومي في أوقات الركود الاقتصادي العالمي هو أفضل مساعدة يمكن أن تقدمها المملكة للاقتصاد العالمي الذي يحتاج إلى الكثير من المحفزات لإنعاشه وتمكينه من النهوض مرة أخرى. وسترفع زيادة الإنفاق الحكومي من الطلب الكلي للمملكة الذي سيرفع مستويات واردات المملكة من دول العالم. كما يدعم التوسع في الإنفاق الحكومي تحويلات العمالة الأجنبية والتي تغذي اقتصاديات العديد من دول العالم. وبهذا ستحقق المملكة بمحافظتها على مستويات الإنفاق الحكومية المرتفعة عدة أهداف في آن واحد. حيث ستتمكن من تنشيط الاقتصاد المحلي ودعم الطلب العالمي على السلع والخدمات كما ستستمر في تنفيذ المشاريع التنموية بتكاليف أقل من الأعوام السابقة.