رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


تبرعات باشتراك الأمة

"عندما تحسن للآخرين، تحسن إلى نفسك" .. الكاتب والعالم والسياسي الأمريكي بنيامين فرانكلين.
ما أجمل هذا التوجيه.. أقصد توجيه خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز، بإطلاق حملة تبرعات شعبية في المملكة، لدعم عمليات العون والإغاثة للشعب الفلسطيني الذي يتعرض لعدوان إسرائيلي وحشي بشع في قطاع غزة. وما أجمل الرمزية في هذا التوجيه، ليس فقط بسبب المشاركة الشعبية فيه، بل لأن الملك عبد الله جعله أقوى بتكليف وزير الداخلية الأمير نايف بن عبد العزيز كمشرف عام للحملة الشعبية، فالرمزية الأولى توازي الرمزية الثانية من حيث القيمة والوزن والقوة أيضا. نحن نعلم أن المملكة ترصد أكبر الميزانيات سنويا للمساعدات الإنسانية والمعيشية، الدائمة منها والطارئة، فقد بلغ إجمالي المساعدات والهبات والقروض الميسرة التي قدمها صندوق التنمية السعودي منذ تأسيسه عام 1975 حتى العام الماضي أكثر من 27728 مليون ريال، استفاد منها نحو 71 بلداً نامياً. وأسهم الصندوق في تمويل 417 مشروعاً تنموياً وبرنامجاً اقتصادياً في عديد من القطاعات الرئيسة في البلدان المستفيدة بما يتوافق مع أولويات الخطط والبرامج الإنمائية، ومتطلباتها في تلك الدول مع التركيز على المشاريع المرتبطة باستراتيجيات محاربة الفقر. واكتسبت هذه المساعدات أهمية أيضا بتحفيز ممولين آخرين للاشتراك في تلك المشاريع، وتشجيع حكومات الدول النامية على تنفيذ المشاريع التنموية. اللافت أنه رغم تعرض المملكة إلى أزمات مالية في منتصف الثمانينيات - لفترة طويلة ـ فإنها قدمت نحو 5.5 في المائة من إجمالي الناتج المحلي، رغم أن الأمم المتحدة اقترحت 0.7 في المائة (أي أقل من 1 في المائة من إجمالي الناتج المحلي).
وإذا كانا نعلم هذه الحقائق، فإننا نعلم أيضا أن ما من حملة ـ أيا كانت ـ يمكنها أن توازي من حيث الزخم المالي الميزانية الحكومية السعودية المخصصة للتنمية في البلدان المحتاجة، لمواجهة الكوارث والأزمات الطارئة. عليه فإننا نعلم أنه لو كانت الجوانب اللوجستية متوافرة في غزة، لمدت المملكة جسورا ـ وليس جسرا واحدا ـ جوية، من أجل إعانة المنكوبين المسلوبين من كل المعايير المعيشية، في هذه المنطقة التي تحولت من سجن كبير، إلى زنزانة صغيرة. ونعلم أيضا.. وأيضا، أن الشعب السعودي ـ كغيره من الشعوب العربية ـ لا يحتاج إلى قرار يدفعه إلى تقديم التبرعات، لكن توجيه خادم الحرمين الشريفين أوجد التوليفة الإنسانية الضرورية بين الحكومة والناس، وبين رجل الأعمال والموظف صاحب الراتب المتواضع، وبين التلميذ في المدرسة ووزير التعليم، وبين الجندي وقائد الجيش. وهكذا جعل القضية تخص الأمة بكل عناصرها، لا جهة بعينها، وتهم العامل.. تماما كما تهم الملك.
فوق هذا وذاك، فإن التوجيه الإنساني يوفر ضمانات للأموال التي سيتم جمعها، بحيث تذهب في طريقها الصحيح، وبحيث تكون بين أيدي الذين يحتاجون إليها، لا أيدي الموالين لهذا الطرف أو ذاك، فالحقيقة تحتم علينا القول: إن الاستقطاب السياسي ـ بل الاستقطابات إن جاز التعبير ـ في العالم العربي، بعثر كثيرا من المعونات، وغيب آثارها، فكل طرف يريدها له في الدرجة الأولى، أمام الطرف المستحق لها فهو في الدرجة الثانية.
في آذار (مارس) عام 1988 تشرفت برئاسة لجنة عربية في لندن نظمت أكبر مهرجان فني عربي في بريطانيا لدعم الفلسطينيين في انتفاضتهم الأولى. أقيم المهرجان وقتها في أعرق قاعة في العالم، هي "ألبرت هول" وسط العاصمة البريطانية. لهذا النوع من المهرجانات في الغرب أثر كبير، لوجود نوع من الثقافة تقدر الفن بحجم ارتباطه الإنساني العام، فكيف الحال إذا كان يخدم في خضم كارثة إنسانية؟ وللأمانة التاريخية قامت سفارة المملكة في لندن بتأجير الصالة، وقدمت تذاكر سفر للمشاركين في هذا المهرجان، الأمر الذي وفر عبئا ماليا عن كاهل الميزانية المخصصة لهذا المهرجان. وقتها كان المتبرعون يسألون قبل تقديم أي مبلغ، إلى أي جهة ستذهب هذه الأموال، وكانوا يشترطون ألا تذهب الأموال إلى جهات فلسطينية شبه رسمية (لم يكن هناك وقتذاك جهات فلسطينية رسمية 100 في المائة). وبمجرد تقديم الضمانات للمتبرعين أن الأموال ستذهب إلى صندوق الانتفاضة، الذي كانت ترعاه جامعة الدول العربية، كانت التبرعات تتدفق من كل الشرائح.
إذا.. توجيه خادم الحرمين الشريفين بإطلاق الحملة الشعبية من أجل غزة، يقدم بحد ذاته، ضمانات قوية أن هذه الأموال ستذهب في الطريق الصحيح. والأمر يستدعي تكريس "ثقافة التبرعات"، من منظوره الخيري الخالص، لا السياسي الضيق، فلا توجد ضمانات في هذا المجال، أقوى من تلك التي تقدمها حكومة وفرت للمحتجين ميزانيات كبيرة طارئة ودائمة. كما أن الحكومة السعودية قامت في أعقاب الحادي عشر من أيلول (سبتمبر) عام 2001، بفرز الغث من الثمين من الجمعيات والمؤسسات الخيرية. وعلى هذا الأساس فإن إشرافها على حملة "تبرعات غزة"، لا يشكل اتحاد أمة لملمة أشلاء غزة وشعبها الرافض للانهيار فحسب، بل يكرس العمل الوطني، خصوصا في وقت المصائب، فالكارثة التي يعيشها الفلسطينيون تجاوزت المبادرات الفردية.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي