أنُغني وين الملايين أم ماذا بقي للعرب؟!
اختتمت إسرائيل العام الماضي وبدأت العام الجديد بمذبحة وحشية لا مبرر لها، راح ضحيتها مئات الفلسطينيين من رجال ونساء وأطفال وشيوخ، ودمرت خلالها البنية الأساسية من مساجد وجامعات ووزارات أمام أنظار العالم، ولكن من أمن العقوبة أساء الأدب. إسرائيل هي الاستثناء الوحيد تقريباً من القانون الدولي، وهي الدولة التي لا تطبق عليها أية قرارات أممية، وهي الوحيدة التي تحصل على التعويضات في حروبها التدميرية، ولا تقدم التعويضات لأعمالها الإجرامية. إنها الدولة الوحيدة التي ترفض دخول ممثلي الأمم المتحدة، دون إثارة ضجة في الإعلام الغربي أو غضب الكبار. ولك أن تتخيل – أيها القارئ - ماذا سيحدث في الإعلام الغربي لو أن إحدى الدول العربية رفضت دخول أحد ممثلي المنظمات الدولية!
إن الإعلام الغربي يصور مذبحة غزة الأخيرة، وكأن إسرائيل (الضحية المسكينة) انتقمت لهجمات الصواريخ القاتلة، لتوحي وكأنها اتخذت هذا الإجراء للدفاع عن نفسها. فالرئيس الأمريكي لا يتأثر بأشلاء أطفال الفلسطينيين التي تملأ شاشات التلفاز (وكأنهم ليسوا بشراً)، ولكنه يتألم كثيراً لضحايا إسرائيل القلة، ويقدم التعازي لذويهم. لا يكتفي بذلك، بل يعارض إصدار أي قرار من مجلس الأمن، باستخدام الحجة المعتادة "القرار غير متوازن"، وذلك لمنح إسرائيل مزيداً من الوقت لتحقيق مآربها. ومن المهين للعدالة، والمشين للممارسات الإعلامية أن الإعلام الغربي لا يثير السؤال المهم حول السبب الجوهري لهذا الصراع؟ يتجاهل أن السبب الجوهري هو الاحتلال الظالم والحصار الجائر، بل لا يحاول – أبداً - ربط المقاومة الفلسطينية بالحصار والتجويع والإهانة. فقط أتساءل، ماذا سيحدث في الإعلام الغربي لو أن دولة أخرى (غير إسرائيل) فرضت حصاراً على دولة أو منطقة ما، ومنعت دخول المعونات الإنسانية والاحتياجات الطبية؟
لكن الوضع مختلف في حالة إسرائيل، فهي معفاة من اللوم، ومعفاة من قرارات الأمم المتحدة، ومعفاة من تفتيش منظمة الطاقة النووية، ومعفاة من تفتيش منظمات حقوق الإنسان، ومعفاة من الضرائب في تجارتها مع الغرب!! وفوق ذلك، معفاة من تعويض تدميرها منازل الأبرياء وسفك أرواح الضعفاء والمساكين! وفوق ذلك، تمكنها المواقف المتواطئة من التوسع في بناء المستوطنات، وتضيق الخناق على الفلسطينيين، لتخلق واقعاً على الأرض يُكسبها المزيد في المفاوضات المقبلة.
وفي خضم الوضع المتردي والأحداث المؤلمة، هل سأل العرب أنفسهم عن أسباب نفوذ وسيطرة اليهود على الرغم من قلة عددهم، الذي لا يتجاوز ربع سكان مصر وحدها؟ وفي المقابل، هل سأل العرب أنفسهم، لماذا لا تكون لهم فاعلية في المسرح الدولي على الرغم من كثرة عددهم ووفرة مواردهم الطبيعية؟ بل لماذا تغيبوا عن الساحة في الشرق الأوسط؟ ولماذا تركوا الساحة لتركيا وإيران وإسرائيل؟ هل وصل بهم الضعف للعجز عن عقد قمة مؤثرة أو اتخاذ موقف فاعل؟ لقد بدأ أطفالنا يتساءلون: لماذا لا تتجاوز فاعلية العرب تقديم الدعم الإنساني وتعويض المساكن المهدمة؟ ولماذا لا يُسمح بدخول الدعم الإنساني العربي، إلا بعد استباحة دماء الأبرياء وسحق منازل الضعفاء وتخريب البنى التنموية؟! ثم هل الخطاب الفلسطيني (المقسم) يؤدي إلى أية نجاح أو يحقق أية مكاسب؟ وأخيراً هل عرفوا (أو استلهموا العبرة) من نجاح إسرائيل في بث الفرقة بينهم وشق صفوفهم؟
إنها تساؤلات تستحق التأمل بعقلانية بعيداً عن العاطفة، وربما لخص الأمين العام لجامعة الدول العربية الإجابة عنها بقوله: "من يهن يسهل الهوان عليه". إن الحل يكمن في أن نتعلم ألا نستجدي العطف، ونلتمس المساعدة، ونطلب الرأفة من الآخرين، بل يجب أن نفرض احترامنا من خلال تحسين أوضاعنا السياسية والتنموية، وإصلاح العلاقة فيما بيننا، بدلاً من الاستنجاد بالآخرين للقيام بمهمة التشاور فيما بين (الأطراف) العربية!!
وأخيراً ينبغي ألا يفرط العرب في غزة، أو يسمحوا لها بالسقوط والاستباحة من قبل الجيش الإسرائيلي، لأن في ذلك عاراً على العرب، وسقوطاً لما تبقى من ماء الوجه، وعواقب وخيمة في الحاضر والمستقبل.