رسالة الخطأ

  • لم يتم إنشاء الملف.
  • لم يتم إنشاء الملف.


وقعنا اتفاقية التجارة العالمية ثم ماذا؟

لم أسمع بماراثون أو تغطية إعلامية مثل التي قمنا بها لتوقيع اتفاقية منظمة التجارة العالمية. وأمده استغرق عشرات السنين وفي وقت غابت فيه الشفافية عن مجريات الصفقة التي تمت بين وزارة التجارة والدول الأخرى وعن مدى جدواها وإيجابياتها أو سلبياتها ومدى التنازلات التي دفعناها وسندفعها، ولكني لم أر أو أسمع شيئاَ منذ تاريخ الانضمام! فماذا استفدنا؟ أو على الأقل هل هناك تقارير متابعة لما تم إنجازه أو الاستفادة منه حتى اليوم كإيجابيات للانضمام؟ وهل على الأقل سنستفيد منها خلال هذه الأزمة الاقتصادية التي نمر بها، التي ستكون حرباَ اقتصادية وفرصة لتغيير لعبة الكراسي الدولية؟ وهل ممن يرشدنا الآن إلى خطة للاستفادة من الاتفاقية للأعوام المقبلة في ظل المتغيرات الحالية؟ وبعد الاستفادة من خبرة الطفرات الماضية، ومتى تنتهي سيطرة وزارة المالية على تجديد الأنظمة؟
ومع عدم إيماني بجدوى الموضوع اقتصادياَ على القطاعات غير البترولية على المدى القصير وقد يكون ذلك على المدى البعيد، إن حيينا، إلا أنني أرى أن له جدوى اجتماعية وسياسية، ولكن بعد الطوفان ماذا أعددنا للاستفادة من هذه الاتفاقية؟ وهل لدينا الأجهزة والكفاءات التي ستحارب معنا لحماية مصالحنا والأخذ بحقنا التجاري دولياَ وحماية مصالح تجارنا ومواطنينا؟ وهل بدأنا في تغيير بعض أنظمتنا الاقتصادية التي عفا عليها الزمان وأن نحدثها للتوافق مع المعطيات الدولية، أم أننا مازلنا تحت مبدأ القبول بأقل العروض وأرخصها للمناقصات والمقاولات؟
وحتى نستفيد من هذه الاتفاقية، فإن السؤال الذي يطرح نفسه هو: هل تم توعيتنا؟ وهل نحن جاهزون لمجابهة الطوفان قبل أن نغرق فيه؟ وهل سيؤدي ذلك إلى كثرة الشكاوى والمنازعات وأن "الوعد جنيف" هو ما سنسمعه كثيراَ في الحقبة المقبلة؟ وقد يكون المستفيد الأول من الانضمام هو مكاتب المحاماة القانونية الدولية التي ستفزع لحل المنازعات بيننا والعالم. لقد جاءت دعوة خادم الحرمين للاستثمار الأجنبي وحوار الحضارات والأديان وزيارته للدول الأجنبية وما بينه من إصلاحات وتعديلات هيكلية على أنظمة الاستثمار والضرائب والقضاء وما يتبعه من تنظيم السوق المالية وغيرها من الإصلاحات ليفرض علينا ومؤسساتنا الحكومية إعادة النظر في مدى قابلية نظام الدولة ككل، ومدى توعيتنا للمواطن لتفعيل هذه القرارات وتوعية المجتمع بأنظمتها وقوانينها وإيجابيتها وسلبياتها، خاصة توعية رجال الأعمال والصناعات الصغيرة والمتوسطة الذين هم أكثر المتضررين لكي يستعدوا لمواجهة سلبياتها. وطرح فكرة تنظيم وضم تلك المؤسسات والشركات العائلية في شركات وتكتلات وتحالفات وطنية كبيرة قادرة على الصمود، وحثهم على التنمية البشرية والمهنية، وأن نعي انعكاسات الانضمام على حل مشكلة البطالة لدينا، وليس إيجاد فرص عمل لحل مشكلة بطالة الدول الأخرى، ومخزون القوى العاملة المؤهلة لدينا ودوام الفترة الواحدة، الذي قد يكون أصلاَ إسلامياَ من جعل النهار معاشاَ والليل سباتاَ، وتعديل إجازات آخر الأسبوع لتكون الجمعة والسبت، وما الميزة النسبية لنا لننافس الشركات المقبلة التي موظفيها ليس لديهم بعض معوقاتنا الاجتماعية مثل مشكلة توصيل أولادهم إلى المدارس، أو الحصول على دخل مضاعف لقاء توظيف زوجاتهم وبناتهم، فهم مهيئون اجتماعياَ أكثر منا لذلك لدرجة أن تلك العائلات تطرد أولادها من البيت بعد سن البلوغ ليعملوا ويعتمدوا على أنفسهم.
وأين دراسة الجدوى الاقتصادية والاجتماعية للانضمام؟ وهل أعلن ملخصها لنكون جاهزين ونخطط مسبقاَ للاستفادة منها، أم أن ذلك امتياز لرجال وزارة التجارة و"الهيئة".
لقد آن الأوان لمراجعة تلك الجدوى بعد الانهيار الاقتصادي لمعرفة أين نتجه، مع أنني أشك في قدرة الفريق الذي أقنع العالم أن يواجه المهمة الأصعب، التي كان يجب أن تناقش وتهيأ، وهي أن يقنع أنظمتنا وقوانيننا أو يقنع القضاء أن يتحرك بالسرعة نفسها لحل المنازعات ونبذ غموض الأنظمة والقوانين.
إننا نفتقد وجود أنظمة شاملة متكاملة ومترابطة (العمود الفقري للدولة ودستور للحقوق الشرعية للمواطنين فيما بينهم). دستور يستمد من نظام اقتصادي إسلامي متكامل مستمد من الشريعة الإسلامية ومقنن في كتاب أو مجلدات، بدلاَ من زج القرآن الشريف في ممارساتنا اليومية وتعريضه للإهانة، ويكون مؤشرات اجتماعية وسياسية واقتصادية، يمكننا من قراءة الاقتصاد الوطني والقدرة على فهم التغيرات التي تؤثر فيه، ويوفر له الحماية القانونية الصارمة على القوي والضعيف وبشفافية واضحة، فما فائدة الأنظمة دون وجود من يرعاها من الإهانة ويضمن لها هيبتها التي هي من هيبة الدولة وصرامتها؟ الذي بدوره يعزز ثقة المستثمرين الوطنيين والأجانب بالاستثمار في هذا البلد. وهو عادة يكون مربوطاً بأحد الأنظمة المتكاملة مثل نظام الضرائب الذي يمكن صياغته بطريقة إسلامية مشتقة من نظام الزكاة والوقف والتبرعات والرسوم، الذي يشكل أهم الأنظمة العالمية التي توفر معظم المعلومات عن المواطن والشركات والدخل العام ومنها تشتق جميع المؤشرات الاقتصادية والاجتماعية، التي تعتمد على سلوكيات المستهلك ومعدل البطالة وثقة المستهلك في الاقتصاد ومعدلات الإنتاج القومي وغيرها. وهذا الترابط مهم للدولة في توجيه الاقتصاد العام، ويخضع لمعايير وضوابط دولية ومراقبة داخلية وتوحيد قياسي للأنظمة والنماذج والاستمارات المعلوماتية الحكومية في شبكة وقاعدة معلومات موحدة. ويتم عادة إصدار بطاقات ممغنطة مقروءة لكل مواطن.
وهذا يتطلب تحديث الأنظمة القضائية والمالية وفق أنظمة حديثة ونماذج حاسوبية إحصائية للسيطرة على الأمور، حيث إن اتخاذ القرار أمر معقد يوجب توظيف جهاز وموظفين أكفاء وعلى مستوى عال من التأهيل للبدء في الإصلاح الاقتصادي والإداري والقضاء على الفساد الإداري ومحاكمة أو مساءلة من يتلاعبون بالاقتصاد الوطني، ولو بحسن نية، وما كل مجتهد مصيب، مثل مجالس إدارات بعض الشركات المساهمة التي تتاجر بالمعلومات والشائعات، ومكاتب المحاسبة التي تزور وتبصم الميزانيات والمراكز المالية والشيكات دون رصيد التي يسجن بسببها دولياَ، إلا في بلد الإسلام. هل تمت معاقبة أحدهم ليعتبر الجميع؟ أسئلة تمثل غيضاً من فيض وتشكك في قدرتنا للتحول من اقتصاد شبه مركزي، كانت الدولة هي الممول له، إلى اقتصاد حر عالمي يديره القطاع الخاص، وأن نتحسب للمتغيرات الاجتماعية المستقبلية للأزمة الاقتصادية الحالية التي قد تفرض بعض القيود على تحقيق تلك المعدلات العالية، وأن يتم تعديل الخطط بين الحين والآخر وفقاً لذلك. ومع أن معظم دول العالم لديها معوقاتها، إلا أننا نحظى بمجموعة منفردة من المعوقات الاقتصادية التي أساسها إفرازات اجتماعية. وقد سبق أن أشرت إليها في مقالات سابقة. وأهمها تضخم الأجهزة الحكومية وتدوير واستثمار ممتلكاتها. ومعوقات السعودة والضوابط الشرعية للإقراض البنكي والعقود العقارية ودور البنوك في الإقراض والتمويل الاستثماري والعقاري والأبحاث والتطوير وتسرب الرساميل إلى الخارج والعقبات أمام الاستثمار الأجنبي، إضافة إلى المعوقات الاجتماعية وما نفتقده من عدم ثقتنا وتعاملنا واحترامنا وحبنا كمواطنين بعضنا بعضا ولإخواننا من الدول الصديقة وافتقادنا احترامنا الأنظمة والقوانين. وحبنا التدخل في حريات، خصوصيات الآخرين وكأننا أوصياء عليهم وانعزلنا عن بعضنا حتى لا يرانا إخواننا حتى في صحراء الله الواسعة. بينما نحن أنفسنا نتغير في خارج المملكة ونتمسك بالنظام ونحترمه ونزاحم لمخالطة غيرننا فسبحان الله! فمتى نتغير ونصلح هذا الخلل الذي يكلفنا الكثير من المدخرات التي تهاجر إلى الخارج ليستفيد منها جيراننا والأجانب؟ ومتى نعي أهمية احتواء هذه الأموال لتدور داخل الوطن وننتفع بها في القضاء على البطالة والفقر؟ وهو مظهر حضاري ينبع من ديننا الحنيف وتعاليم الشريعة وأساس الوعي الاقتصادي لدى المواطن ومدى تقبله للاتفاقية، فالله لا يصلح قوماً حتى يصلحوا ما بأنفسهم.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي