رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


غزة .. بين ديمقراطية واهية ونظم واهنة

ما يحدث في غزة إبادة جماعية على مرأى ومسمع من المجتمعات الغربية التي تدعي الحرية والعدل والمساواة وتبشر باحترام حقوق الإنسان والترابط الثقافي الإنساني بين الشعوب وإشاعة معاني المحبة والسلام. ويبدو أن المشهد الدموي الهمجي لآلة الحرب للمحتل الصهيوني في غزة أسقطت ورقة التوت وعرت أنظمتهم وكشفت حقيقة ديمقراطيتهم وزيف ادعائهم وتدني حضارتهم وافتقادها الجانب الأخلاقي الروحاني. الحديث عن الديمقراطية حديث مهم في الصراع العربي - الإسرائيلي، إذ يرى الغربيون أن الدولة الصهيونية تمثل جزيرة الديمقراطية تحيط بها أنظمة عربية استبدادية قمعية، وبالتالي كان عليهم أن يهرعوا لحمايتها والدفاع عنها حماية للديمقراطية المزعومة. أمر آخر متعلق بطبيعة النظم الغربية الديمقراطية في أنها تتيح الفرصة للتحكم بها من قبل الأقليات النافذة خاصة في من يتحكمون بالاقتصاد والإعلام ، فتجد أنظمة كبيرة ومعقدة وتمتلك القوة الاقتصادية والعسكرية ولكنها تنقاد كالدابة الكبيرة من قبل شرذمة صغيرة في مجتمعها! وهذا قد يفسر التناقض العجيب والغريب بين ممارسة الديمقراطية في داخل بلدانها وتحقيق العدل والحرية، وسياساتها الخارجية التي هي عكس ذلك تماما. إنه أمر يدعو للسخرية والاستهجان في أن يقتل المدنين باسم الحرية، وأن يحاصر شعب بأكمله باسم الدفاع عن النفس، وأن تهدم المباني فوق أصحابها باسم العدل، وأن تغتال الديمقراطية باسم الديمقراطية! ولكن يبدو أن دولة صهيون تسير على خطى الحمق الأمريكي والتصرف الأهوج الأرعن المتطرف الإرهابي غير الحضاري فما يحدث في غزة نسخة مكررة لما حدث ويحدث في العراق وأفغانستان من قبل القوات الأمريكية من قتل وتشريد وقمع، كل ذلك بحجة نشر الديمقراطية المزعومة والتذرع بحماية مصالحها الوطنية.
إنه غباء سياسي فقد ظن القوم أن باستطاعتهم بقوة السلاح إخضاع أصحاب الحق وكسر شوكتهم وأن القتل من أجل القتل يجعلهم يكسبون الحرب وينتصرون، لكن التاريخ يقول غير ذلك ويحكم بخطأ نظرتهم، فلم تسيطر حضارة على أخرى قط بقوة السلاح والظلم والبطش، قد يكون لفترة من الزمن، لكن لا تلبث أن تتقهقر وتقفل راجعة من حيث أتت تجر أذيال الخيبة والهزيمة. الأمثلة على ذلك كثيرة، فالصليبيون احتلوا بيت المقدس ما يقارب قرنا من الزمان وبقي المسلمون على إسلامهم. والجزائر الأبية يحتلها الفرنسيون مائة عام ويعلنون أنها جزء لا يتجزأ من فرنسا الأم ويقتل من الجزائريين مليون شهيد ويزيد وتفرض اللغة الفرنسية عليهم إلا أن ذلك كله صار هباء منثورا لتندحر فرنسا من غير رجعة ويبقى الجزائريون الأحرار على إسلامهم وعقيدتهم. لم يستطع المستعمرون الغربيون تغيير المجتمع المسلم وتحويلهم عن ديانتهم لأن هدفهم الإذلال وسلب خيرات الشعوب وليس الإعمار وتطبيق قيم العدل والمساواة والحرية والتنمية الاقتصادية. وما دام هدفهم القتل وإبادة الشعوب ومسخها وسلبها إرادتها وقهرها فلن يفلحوا إذا أبدا. ربما ربحوا المعركة إلا أنهم بكل تأكيد سيخسرون الحرب! هذه سنة الله في كونه في ثبات الحق وزوال الباطل. ولا أدل على ذلك من أن الإسلام دخل إلى مجتمعات كثيرة في الغرب والشرق ولم يخرج منها لأنهم رأوا فيه حضارة عظيمة جاءت لتبني وترتقي بهم وليس لاحتلالهم وسرقة خيراتهم فالمسلمون يحتم عليهم دينهم تبليغ الرسالة ونشر الدعوة من أجل تعميم الخير وليس القتال إلا إذا منعوا ذلك. ولذا كان من الخطأ الجسيم أن ارتكب المتهورون الجهال من بعض المسلمين حماقة كبيرة في عمليات إرهابية في بعض الدول التي فتحت الباب على مصراعيه لنشر الإسلام والسماح ببناء المساجد وإقامة الشعائر الإسلامية. وهذا هو الفرق بين المسلمين واليهود فاليهود نجحوا في استغلال النظم الديمقراطية لمصلحتهم وتسيير سياساتها من أجلهم وخلق تصور في ذهنية الفرد الغربي بأنهم أقلية مظلومة تواجه القمع والإبادة بينما هي تسيطر على المؤسسات الاقتصادية والسياسية وتمول إرهاب الدولة الصهيونية، في حين عجز المسلمون عن التغلغل في المجتمعات الغربية وكسبهم والدخول في دهاليز السياسة ومعرفة من أين تؤكل الكتف!
وعلى ظلم ديمقراطياتهم وتجبرها وعيثها في الأرض فسادا إلا أنه يجب الاعتراف بأنها أنظمة تحترم مواطنيها وحكومات تمثل شعوبها وتطبق القانون على الجميع بالعدل والمساواة. إنها حكومات من الناس وبالناس ومن أجل الناس وهذا مصدر قوتهم ولن يستطيع أحد مجابهتهم وصد عدوانهم إلا بأنظمة مماثلة تحقق ما حققوه من العدل والإنصاف داخل مجتمعاتهم الديموقراطية. وقد يكون هذا السبب الرئيس في عدم قدرة العرب والمسلمين على الأقل في الوقت الحاضر على دحرهم واخراجهم من الأراضي المحتلة. كيف تستطيع الدول العربية أن تواجه دولة الاحتلال وهي ضعيفة سياسيا متفككة متشرذمة، الحكومات في واد والشعوب في واد آخر! أن الأنظمة العربية التي لا تطبق المنهج الإسلامي في الحكم تخلق هوة كبيرة بينها وبين شعوبها، فالإسلام إرادة شعبية ومصدر الثقافة الاجتماعية تتغلغل قيمه في وجدان الأمة أفرادا وجماعات ولا يكاد ينفك عنها، ولذا فإن نظم البلدان العربية التي لا تتبع المنهج الإسلامي تكون غريبة تفرض نفسها على الناس فرضا بل الأدهى والأمر عندما تكون قمعية شمولية غير ديمقراطية تعادي الإسلام وأهله! ولك أن تتصور كيف يكون حال المجتمعات وأفرادها من الذل والهوان والسلبية والخنوع والغربة داخل بلدانها! وكيف لهؤلاء أن يقفوا ويصمدوا أمام تلك النظم التي تحترم وتقدر مواطنيها بل ليس هناك فرق بين الشعب والحكومة فالحكومة هي الشعب والشعب هو الحكومة. إن هذا التقهقر السياسي في العالم العربي يسدي خدمة جليلة وعظيمة لدولة الاحتلال فهو خط الدفاع الأول ليس فقط في ترويض الشعوب والحجر عليهم وتكميم أفواههم وسلبهم حقوقهم ولكن أيضا باتفاقيات السلام التي حاصرت الفلسطينيين أنفسهم فاتفاقيات السلام خلقت وضعا جديدا في الجغرافيا السياسية للمنطقة بحيث أصبحت دولة الاحتلال محاطة بحزام أمني ومناطق محيدة سياسيا وقانونيا تمنع عنها الاعتداء بما في ذلك السلطة الفلسطينية في الضفة ولتأخذ الفرصة لتعيث في الأراضي المحتلة فسادا وتدميرا وقتلا. وهذه هي الإجابة عن السؤال الذي عادة ما يتردد في كيف لدولة لا يتجاوز عدد سكانها ثمانية ملايين في الوقوف في وجه مليار ونصف مليار مسلم؟! إنها النظم السياسية التي تحترم مواطنيها ما يصنع الفرق والدهاء السياسي في تحويل الأحداث وما يجري في العالم لصالحها والتحرك على أساس مخطط وهدف محدد واستراتيجيات مستقبلية وعمل جماعي دؤوب. الفرق بيننا وبينهم أننا نعاديهم ونطلب السلام وهم يقولون بالسلام ويعملون من أجل احتلال مزيد من الأراضي! وهذه مفارقة عجيبة ومعادلة مقلوبة لا يمكن استيعابها إلا أنها واقع مؤلم يجعل المحتل يتمادى في غيه وغطرسته والعرب ومنهم بعض الفلسطينيين في مشاهدة المنظر المأساوي دون حول ولا قوة يرجون من العدو ضبط النفس! مرددين شعارات السلام الواهية وتذكيرهم بالمواثيق والعهود الماضية، التي ضربوا بها عرض الحائط ولم يلقوا لها بالا.
للأسف ما يحدث في غزة نتيجة حتمية لواقع عالمي يكيل بمكيالين يسيطر عليه قانون الغاب في أن البقاء للأقوى، ورياء سياسي تتشدق به الدول الغربية في الحديث عن العدل والمساواة بينما أفعالها تناقض أقوالها، وشعوب عربية مغلوبة على أمرها تعيش داخل بعض الأنظمة التي لا ترقب فيهم إلا ولا ذمة. ونافلة القول لا يستطيع العرب مواجهة دولة الاحتلال إلا بتمسكهم بعقيدتهم وتطبيق المنهج الإسلامي تطبيقا فعليا حضاريا واقعيا في كل مناحي الحياة يحقق العدل والمساواة والقوة والمنعة وحكومات تمثل الشعوب وترعى مصالحها وتخطط من أجل يوم الانتصار ولو بعد حين.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي