الدور السعودي.. في القمة الاقتصادية في الكويت!
إذا رجعنا إلى القرارات التي صدرت عن القمة العربية التي عقدت بالعاصمة الرياض برئاسة خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز في 2007.. نسـتطيع القول إن هذه القمة كانت من أنجح القمم العربية، فمنذ القرار الذي اتخذته قمة الرياض بعقد قمة اقتصادية عربية في الكويت دب في أروقة الجامعة العربية نشاط غير عادي يسعى لوضع أجندة على درجة عالية جداً من الأهمية حتى تتخذ القمة مجموعة قرارات تبدأ بمشروع الاتحاد الجمركي بحلول عام 2015 والسوق العربية المشتركة بحلول عام 2020، بمعنى أن القمة العربية الاقتصادية الأولى في تاريخ العمل العربي المشترك هدفها إزالة العقبات من أمام مشاريع الوحدة الاقتصادية ووضع الآليات اللازمة لمباشرة تنفيذ البرامج والمشاريع، ويجب أن نستغل فرصة الإرادة العربية الحالية التي أكدت رغبتها في التغلب على العقبات العربية - العربية، والعربية - الخارجية.
وبالنظر إلى الأزمة المالية العالمية التي يمر بها العالم في هذه الأيام، فإن هذه الأزمة سـتكون المبرر القوي لقيام مشروع السوق العربية المشتركة. بمعنى أن الأزمة العالمية تقول لكل العرب إن التكامل الاقتصادي العربي.. هو السبيل الأنسب لمصلحة اقتصادات جميع الدول العربية، وإن تسابق الدول العربية بالانضمام إلى تكتلات غير عربية.. سيحمل الدول العربية جزءاً كبيراً من أزمات ومصائب هذه التجمعات، التي ثبت أن هدفها ـ في الدرجة الأولى ـ هو تحقيق المصالح العليا للدول الكبرى.
وهذا ما لمسـه الجميع في اجتماعات منظمة التجارة العالمية في السنتين الأخيرتين وما تفرع عنها من اجتماعات (هنا أو هناك) باسم العولمة الاقتصادية، وجميعها فشلت في التوصل إلى قرارات تضمن الحد الأدنى لمصالح ما يسمى بالدول الناشئة.
إن اندفاع الدول العربية نحو السوق العربية المشتركة يأتي في ظروف اقتصادية عربية جيدة فقد تحسن أداء الاقتصاد العربي بسبب الإصلاحات الاقتصادية التي قامت بها معظم الدول العربية حتى تعدى الناتج المحلى الإجمالي العربي لأول مرة قيمة التريليون دولار مقارنة بنحو 600 مليار دولار كمتوسط سنوي، كما زادت التجارة العربية البينية إلى 850 مليار دولار مقارنة بنحو 400 مليار دولار كمتوسط سنوي، وأدى ذلك إلى زيادة الاستثمار في البنى الأساسية والإعمار والتشييد.
إن الحلم الاقتصادي العربي الذي بدأ في عام 1950 بإصدار اتفاقية الدفاع المشترك والوحدة الاقتصادية.. سيتحقق قريباً بعد أن شعر العرب أن الأسواق العالمية التي نشأت بعد السوق العربية المشتركة بعقود طويلة.. بدأت تظهر إلى حيز الوجود مثل منظمة آسيان ونافتا ومنظمة التجارة العالمية، وتكاد تخطف هذه الأسواق من السوق العربية المشتركة كل المزايا والمنافع الاقتصادية التي ستعود على الاقتصادات العربية بالخير والفائدة. ودعوني أقول الحقيقة إن التحرك الذي تشهده الملفات الاقتصادية العربية في السنوات العشر الأخيرة بدءا بإقرار منطقة التجارة العربية الحرة، ثم الاتحاد الجمركي وصولاً إلى السوق العربية المشتركة.. ما كان له أن يتحرك في الاتجاه الإيجابي السليم لولا اهتمام المملكة بحتمية تحقيق هذه للمشاريع، ونخص بالذات الاهتمام الشخصي من لدن الدكتور إبراهيم العساف وزير المالية يقابله ـ من الناحية الأخرى ـ الاهتمام الشخصي من قبل عمرو موسى أمين عام الجامعة العربية، وكذلك الجهود التي يبذلها الزميل الدكتور محمد التويجرى الأمين العام المساعد للجامعة العربية.
ولذلك فإنني أتوقع أن تكون قمة الكويت عامرة بالمشاريع العربية، وستراجع هذه الملفات وتزيل من أمامها العقبات وتدفع بقوة المشاريع الاقتصادية نحو التنفيذ الفعلي في الوقت المحدد لها.
إن المجلس الاقتصادي والاجتماعي في الجامعة العربية وضع الاستراتيجية الملزمة للعمل الاقتصادي والاجتماعي المشترك، وهذه الاستراتيجية هي بمثابة الآليات اللازمة للوصول إلى الاتحاد الجمركي في عام 2015 والسوق العربية المشتركة في عام 2020 وهو ما تم إقراره في قمة الرياض2007.
ولعل أهم ما تضمنته الاستراتيجية هو توحيد التعريفة الجمركية تجاه العالم الخارجي، وتوحيد الإجراءات الجمركية والوثائق الجمركية المصاحبة لعمليات التبادل التجاري، وتوحيد القوانين الجمركية العربية في إطار قانون جمركي موحد، والعمل على تطوير قنوات الأنشطة الاستثمارية والتجارية العربية البينية مع ضرورة رفع كفاءة النقل بين الدول العربية براً وبحراً وجواً، والتوسع في إقامة مشاريع عربية مشتركة في جميع القطاعات الاقتصادية، وتسهيل وصول المستثمر العربي إلى الأسواق العربية وأولوية حصوله على الخدمات اللازمة من تمويل وضمان وتأمين ونقل وتسويق ومعلومات.
واللافت في نصوص الاستراتيجية العربية الاهتمام الكبير ـ ولأول مرة ـ بالقطاع الخاص العربي، إذ إن جل اهتمام الجامعة العربية في السنوات الـ 60 الغابرة.. كان منصباً على الحكومات، بمعنى أن الجامعة العربية كانت في كل أنشطتها تهتم بالحكومات والحكوميين، أمَا القطاع الخاص فكان مهملاً ومستبعداً، ولكن حينما بدأ القطاع الخاص يلعب دوراً متقدماً ومؤثراً في الحياة السياسية والاقتصادية والثقافية للدول العربية.. أصبح من المهم فتح المجال أمام القطاع الخاص للعب دور مؤثر في دعم العمل العربي المشترك، كذلك تتضمن الاستراتيجية توفير بيئة تشريعية واستثمارية لدعم نشاطات القطاع الخاص العربي، مع رفع القيود من أمامه لإقامة المشروعات الصناعية والزراعية والخدمية، وإتاحة المعلومات عن الأسواق العربية وتطوير مشاركة القطاع الخاص في صياغة أهداف العمل الاقتصادي والاجتماعي العربي المشترك، وتعزيز الشراكة بين القطاعين الخاص والعام لتحقيق أهداف الاستراتيجية العربية. وقبل هذا، يجب أن يكون المواطن العربي أول المستفيدين من إنشاء السوق العربية المشتركة، لأن الأسواق العربية أسواق ضخمة، والموارد الطبيعية والبشرية هائلة، والإمكانات متاحة ومتوافرة لبناء السوق وتحقيق الرخاء وتصميم برامج ومشاريع التنمية المستدامة في كل الدول العربية دون استثناء.
وفي النهاية إذا تحقق حلم السوق العربية المشتركة، فإن هذا يعني أن وحدة كونفيدرالية عربية تقترب من التحقق دون أن يصدر بها قرار، ولكن المصالح الاقتصادية بين دول السوق العربية المشتركة.. ستجعل العلاقات السياسية والثقافية بين الدول الأعضاء علاقات ذات مصالح مشتركة ترقى إلى مستوى الكونفيدراليات.