رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


التقيد بالميزانية وتقدير حجم الإنفاق

الميزانية أو الموازنة هي خطة إنفاق خلال فترة زمنية تحت افتراضات وتوقعات معينة عن الدخل. وتعيد ميزانية الدولة إدخال معظم الدخل المتحصل من الناتج النفطي إلى الاقتصاد المحلي، وهي بمثابة المحرك الرئيس للاقتصاد الكلي. وتمثل الميزانية (الإنفاق الحكومي على أدق تعبير) نحو ثلث الناتج المحلي الإجمالي. ويعتمد جزء كبير من الناتج المحلي غير النفطي بصورة أو أخرى على مستويات الإنفاق الحكومي. وتلعب الأجور والتحويلات الموجهة إلى الأفراد والاستثمار والدعم الحكومي الوارد في الميزانية أدواراً محورية في حياة الأفراد وأنشطة القطاع الخاص، والذي لا يستطيع استغلال طاقاته دون هذا الإنفاق. وقد تنهار بعض القطاعات الاقتصادية الخاصة لو تراجع الإنفاق الحكومي أو توقف لفترة قصيرة ـ لا سمح الله ـ. وتأتي النسبة الكبرى من أجور ودخول السعوديين من الإنفاق الحكومي على الأجور والتحويلات، حيث تتجاوز نسبة 40 في المائة من إجمالي حجم الإنفاق الحكومي. وفي المقابل فإن ارتفاع الإنفاق الحكومي بشدة يولد ضغوطاً على الطلب الكلي ويزاحم القطاع الخاص في الطلب على السلع والخدمات ويقود إلى ارتفاع الأسعار وتغذية التضخم. وقد شهدت الأعوام السابقة ارتفاعات قوية في الإنفاق الحكومي صاحبها ارتفاع في معدلات التضخم، مما يدل على وجود علاقة قوية بين معدلات نمو الإنفاق الحكومي وارتفاع معدلات التضخم. ولهذا يقع واضعو الميزانية ومعدو مستويات الإنفاق الحكومي بين خيارات صعبة، بسبب حساسية ومعدلات النمو والتضخم لمستويات ونمو الإنفاق الحكومي. وعليهم بصورة دائمة الحفاظ على مستويات إنفاق حكومي داعم للنمو المستدام على ألا يدفع معدلات التضخم إلى مستويات غير مقبولة (تحدد الدول التي نجحت في السيطرة على التضخم مستويات التضخم المقبولة عند معدل سنوي مقداره 2 في المائة). ويضع معدو الميزانية نصب أعينهم سعي الدولة لتعزيز التنمية الاقتصادية من خلال التوسع في الإنفاق على مشاريع البنية الأساسية وتنمية الموارد البشرية. وشهد العام الماضي بعض السجال بين المنادين بالسيطرة على الإنفاق الحكومي للحد من معدلات التضخم والمنادين بعدم الالتفات إلى معدلات التضخم وضرورة رفع الإنفاق الحكومي لتسريع عملية التنمية واستغلال فرصة توافر الموارد المالية.
وبوجه عام، فإن الميزانية العامة للدولة هي أهم حدث اقتصادي سنوي في المملكة. ويدرك المسؤولون حساسية الاقتصاد الوطني تجاه الإنفاق الحكومي ولهذا تبذل جهود مضنية في إعداد الميزانية وفي تنفيذها ومراقبة الإنفاق. وتسخر الدولة إمكانيات كبيرة للخروج بالميزانية وتجري مناقشتها على أعلى المستويات، ويتم توخي الدقة والحذر قدر المستطاع. وينتقد البعض عدم دقة تقديرات الميزانية وتجاوز الإنفاق الفعلي لتقديرات الميزانية. ويغفل هؤلاء عن حقيقة ارتباط حجم الإنفاق الحكومي بشكل كبير بحجم الإيرادات النفطية. ومن المعروف أن الإيرادات النفطية تتأثر بحجم الإنتاج النفطي ومتوسط أسعاره. ولا تتغير كميات الإنتاج إلا بنسب قليلة بينما تتغير أسعار النفط بشدة. وترتفع الأسعار النفطية نتيجةً لارتفاع مستويات الطلب العالمي على النفط السعودي والذي يتزامن في العادة مع ارتفاع كميات الإنتاج. ولم تشهد أسعار النفط العالمية على مدى تاريخها الحديث اضطرابات أشد من الاضطرابات التي مرت بها في عام 2008. فقد ارتفعت بشدة خلال الأشهر الثمانية الأولى من عام 2008م. وارتفعت في الوقت نفسه معدلات التضخم في المملكة بقوة وخصوصاً أسعار المواد الغذائية والأولية مما أجبر على زيادة واستحداث برامج دعم المواد الغذائية والأعلاف. كما ارتفعت أسعار معظم المواد الأولية مما استوجب رفع مخصصات تنفيذ المشاريع. وإضافة إلى ذلك ولد الارتفاع الحاد في أسعار النفط شعوراً بالغنى ورغبةً في التسريع في أوجه الإنفاق على المشاريع وبعض أوجه الإنفاق الجاري. ودفع ارتفاع الدخل الحكومي إلى تعاظم الضغوط العامة على الحكومة لرفع الإنفاق. وقد أسهمت كل هذه العوامل في تجاوز الإنفاق العام لمستويات الإنفاق المخطط له في ميزانية عام 2008م. وتجاوز الإنفاق العام لمستويات الميزانية ليس حكراً على المملكة بل تعاني منه كثير من دول العالم ومن ضمنها الدول المتقدمة. فعند حدوث أي ظروف استثنائية تقوم الدول بتعديل مستويات الإنفاق لمواجهة الظروف الطارئة أو الاستفادة من الفرص غير المتوقعة. فقد تسببت الأزمة المالية العالمية في استحداث برامج إنقاذ بمئات المليارات من الدولارات. ولم تتوان دول العالم الرئيسة من رفع مستويات العجز الحكومي وتغيير مستويات الإنفاق الحكومي لمواجهة الطوارئ. وعدم الالتزام بالميزانية ليس حكراً على الحكومات، فالأفراد والشركات يعدلون مستويات إنفاقهم بصورة مستمرة وحسب الظروف التي يتعرضون لها. وفيما يتعلق بالمملكة فلا أحد ينكر وجود أخطاء في تقدير حجم الإنفاق والإيراد الحكومي ولكن الشدة الصارمة في الالتزام ببنود الميزانية يولد صعوبات عملية أثناء تنفيذها. فتحديد مستوى معين لا يمكن تجاوزه على الرغم من الارتفاعات الحادة في الإيرادات يفوت بعض الفرص المتاحة لتسريع عملية التنمية أثناء العام المالي. كما أن الإصرار على الإنفاق العالي رغم تدني الإيرادات أثناء العام المالي يعرض المالية العامة لمخاطر كبيرة.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي