قراءة استشرافية لأهم الأحداث الاقتصادية في عام 2009
بعد يومين سيطوي عام 2008 صحائفه ويمضي إلى حقبة التاريخ مثل الأعوام التي سبقته، وكعادتها في مثل هذا الوقت بدأت وسائل الإعلام تتسابق لنشر تقارير صحافية عن أهم الأحداث التي شهدها سواء أكانت اقتصادية أم سياسية أم رياضية أم غيرها، لكننا لم نتعود أن نقرأ أو نشاهد تقارير عن توقعات وتنبؤات الخبراء كل في اختصاصه للعام المقبل، رغم أهميتها للمهتمين بالأنشطة الاقتصادية التي تعتمد في قراراتها الاستثمارية إلى حد بعيد على ما يطلق عليه استشراف مستقبل الصناعة من حيث حجم الطلب ومستويات الأسعار وغيرها.
لا شك أن العام الحالي شهد أحداثا اقتصادية كبرى جعلته في نظر المراقبين عاما اقتصاديا بامتياز عكس الأعوام التي سبقته التي توصف بأنها أعوام سياسية، لكن ما شهده العالم بدءا من انهيار أسعار العقارات في الولايات المتحدة وما لحقها من إفلاس آلاف الشركات والخسائر الضخمة التي منيت بها كبريات الشركات في العالم وأزمة السيولة التي خنقت النظام المصرفي وانهيار أسعار النفط وارتفاع أسعار السلع ومن ثم انخفاضها بشكل كبير، والانهيارات التي حصلت في أسواق المال، كل هذه الأحداث وغيرها جعلت من العام الحالي عام الأحداث الاقتصادية التي لن ينساها التاريخ وستظل في ذاكرة شعوب العالم كافة لوقت طويل لأنها مستهم بشكل مباشر عكس الأحداث السياسية التي يتأثر بها عدد محدود منهم.
تمنيت أن أقرأ تنبؤات وتوقعات أساتذة الاقتصاد والمهتمين به من الكتاب خصوصا زملائي كتاب "الاقتصادية" فهي تنير الطريق وترشَد القرارات الاقتصادية، وإذا ما كانت إيجابية فإنها ستسرع من عودة النشاط الاقتصادي لسابق عهده قبل الأزمة، لذا فسأبدأ بتوقعاتي لأهم الأحداث التي يمكن أن يشهدها عام 2009 بنيتها على معطيات وإشارات جمعتها نتيجة متابعة لما يحدث في العالم طيلة الأشهر الماضية وعلى كل حال فعلم الغيب عند الله – جل وعلى – لكنها اجتهادات قد تصح وقد تخطئ.
على الصعيد الداخلي بنيت موازنة الدولة للعام المقبل على متوسط سعر 40 دولارا لبرميل النفط وهو سعر يتوقع أن تتجاوزه أسعار النفط خلال العام المقبل، رغم أن الأسعار هذه الأيام أقل من السعر المستهدف، لكن يتوقع أن يمتص العالم صدمة الأزمة الاقتصادية خلال الربع الأول ومن ثم يبدأ الاقتصاد العالمي يتعافى في رحلة قد تتجاوز العامين ستشهد ارتفاعا متدرجا لأسعار النفط، وأتوقع أن يكون متوسط الأسعار في العام المقبل ما بين 55 و65 دولارا وهو متوسط يتجاوز السعر الذي اعتمدته المملكة في تقديرها للموازنة العامة، كما أن النشاط الاقتصادي سيبدأ رحلة التعافي من الركود الذي أصابه اعتبارا من الربع الثاني في العام المقبل بمشيئة الله وستكون أسعار النفط والإنفاق الحكومي المرتفع وتخفيف البنوك من اشتراطاتها وتحفظاتها المبالغ فيها لمنح الائتمان هي التي ستدفع لهذا الحراك.
ويتوقع أن تشهد أسعار السلع انخفاضا متواصلاً في الأسعار يستمر حتى بداية الربع الرابع الذي يتوقع أن تستقر فيه الأسعار تمهيدا لارتفاعها مرة أخرى في منتصف عام 2010.
سوق الأسهم يتوقع أن تشهد تذبذبات متوسطة خلال العام المقبل لكن مؤشر السوق الرئيس قد يصل إلى 6500 نقطة في نهاية العام، وربما تشهد السنة المقبلة دخول قوى الشراء الاستثماري بالتدريج بعد أن تتضح الرؤية بخصوص الاقتصاد العالمي وهي التي ستسهم في ارتفاع الأسعار والمؤشر إلى الرقم الذي ذكرته، أما سوق العقار فقد يشهد انخفاضا في الربع الأول لكنه سيبدأ بالتعافي وستستقر الأسعار بعد ذلك وسيسهم انخفاض أسعار مواد البناء في ارتفاع حجم تبادلات السوق اعتبارا من النصف الثاني ـ بمشيئة الله ـ.
على الصعيد الاقتصاد العالمي، ورغم بعض التوقعات التي تشير إلى أن الأزمة الاقتصادية ستستمر وبشكل أسوأ مما حصل فإنني أعتقد أن الزلزال الاقتصادي حدث فعلاً وما سيحدث في العام المقبل هو توابع للزلزال وسيكون أقل تأثيرا من الأحداث التي حصلت في الربع الأخير من هذا العام، ويتوقع أن تمتص الاقتصاديات العالمية الصدمة وتبدأ رحلة التعافي أو الإشارات الإيجابية اعتبارا من بداية الربع الثاني إلى بداية الربع الثالث، خصوصا أن هناك جهودا كبيرة تبذل للتغلب على الأزمة، أما الأقوال التي تتحدث عن استمرار الأزمة لثلاث أو أربع سنوات كما حصل في أزمة عام 1929-1933 فهذا مستبعد لأسباب تتعلق باختلاف الظروف الاقتصادية من جهة واختلاف الجهود التي تدفع لعلاجها من جهة أخرى، كما أن دول العالم الكبرى تملك أوراق حلول لم تستخدمها حتى اليوم لأنها لا تريد أن تدفع ثمنا باهظا لعلاج الأزمة دون منح الحلول الحالية وقتا كافيا لتظهر نتائجها.
ذكرت في مقال سابق أن المملكة وحتى تستفيد من الأزمة الحالية ينبغي لها أن تزيد من الإنفاق الحكومي على البنية التحتية من جهة، وأن تعمل على تشجيع منشآت القطاع الخاص على الاستثمار داخل المملكة، كما أن الشركات مدعوة إلى اقتناص الفرص الاستثمارية المغرية، أما المستثمرون الأفراد فعليهم التخطيط من الآن لمرحلة ما بعد الأزمة فهذا وقت القرار وليس التردد، وإذا ما اقتنصت الفرص المغرية في سوق الأسهم اليوم فإنها ستكون أكثر تكلفة بعد سنة وربما تتضاعف تكلفتها بعد سنتين، فلا يمكن تصديق أن الأزمة الاقتصادية ستستمر إلى الأبد أو لسنوات طويلة، لأن مرحلة التعافي ستبدأ من العام المقبل والله وحده أعلم .