إلى متى سنظل ننتظر صدور ميزانية الدولة لنتحرك؟
كلنا متفائلين بصدور ميزانية الدولة والخير الذي تزفه لنا, ولكن هذا الانتظار منا لها لم أشهدهـ في غيرنا من الدول. ومن النادر أن ترى أي مجتمع أو اقتصاد في أي دولة تعتمد على ميزانيتها. وقد يكون السبب أننا في دولة اقتصادها ما زال قائما على مصدر واحد للدخل على الرغم من محاولة الدولة وصرفها المليارات خلال سنوات وخطط التنمية الحالية والسابقة للتشجيع على تنويع مصادر الاقتصاد وإعطاء القطاع الخاص فرصة للتطور لنصبح مستقبلا ننظر إلى ميزانياته أو مؤشراته بدلا من انتظارنا ميزانية الدولة. وإلى متى سنبقى نعيش تحت جلباب أبي؟!
لقد تكلفت الدولة مبالغ هائلة خلال السنوات الماضية لبناء الإنسان السعودي وتعليمه وابتعاثه وتدريبه, كما تكلفت ببناء أكبر بنية تحتية متميزة عمن حولنا من الدول ولخدمة المواطن والقطاع الخاص لينمو ويستمر في ذلك حتى يصبح قادرا على النمو والتطور والإبداع ذاتيا, وليصبح لدينا اقتصاد متكامل ومتنوع المصادر. فنحن لدينا ثروات أخرى حبانا الله بها ولم نستغلها بعد. وقد تكون السياحة من أهم تلك المصادر لو غيرنا طبعنا واحترمنا الآخرين بدلا من "ارفع رأسك أنت سعودي غيرك ينقص وأنت تزود".
وبصراحة نحن لدينا أكبر قطاع خاص مدلل ويتشكى من كل شيء, ويتمنى أن نضع الملعقة في فمه ليأكل. ويكفينا دليلا أو شاهدا أن معظم الأجانب الذين قدموا للعمل في المملكة وهم لا يملكون شيئا أصبحوا أكثر من نجحوا في تكوين الشركات والثروات.
كما أن بعض المواطنين يلحقهم بعض اللوم في عدم الجدية والمثابرة على العمل سواء كانوا موظفي الدولة أو المتسببين والعاطلين والمتكاسلين عن العمل لرفعة الوطن. وكأنما ردهم للجميل للوطن بالإسراف المبتذل والبذخ في الحفلات والمناسبات, والنفاق الاجتماعي والتنافس في البنيان والتفاخر في المغالاة في البناء فوق احتياجاتنا, حتى أصبحنا نحل مشكلات البطالة في معظم الدول لنجد لأبنائها وظائف لدينا.
وهنا أطرح السؤال: هل العمل واجب وطني وديني أم تسلية ورفاهية؟ أعتقد أنه من حقي كمواطن أن أسأل هذا السؤال وأن أطالب بقية إخواني المواطنين العاطلين أن يعملوا بجدية ووطنية صادقة إذا أردنا أن نعيش في مجتمع ودولة واحدة, وأنهم ليسوا أحرارا في ذلك بل يجب أن يخجلوا, فهذا حق لنا وواجب وطني تفرضه أخلاقيات الدين والمجتمع لنتعايش معا, تفرضه تعاليمنا الدينية, التي يحثنا عليها ديننا في أكثر من موقع (وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون" و"هل يستوي الذين يعملون والذين لا يعملون". فأين نحن من ديننا؟ ولماذا دائما نترك القواعد والأركان المهمة من الدين ونتطرق إلى القشور والجدل حول زواج المسيار والتورق والتمرق وكأننا انتهينا وأكملنا أهم أركان الإسلام وأخلاقياته؟ فهل انتهينا من النهي عن الحسد والنميمة "ومن شر حاسد إذا حسد" التي قد تكون أهم ما تنهى عنه وزارة الشؤون الإسلامية والهيئات؟ ولماذا غاب عن خطب صلاة الجمعة الحث على العمل, الذي هو أساس التنافس الاقتصادي الذي يضمن معيشتنا نحن وأبناءنا في المستقبل. بينما نحن نعتقد أن العمل ترف واختيار لنا. وما زلنا نعتقد أننا من أفضل الناس بينما نحن مخدوعون. وإذا كان الله ميزنا بالإسلام فإنني أعتقد أننا ابتعدنا عنه قليلا ضيعنا جزءا كبيرا من ذلك وأصبحت هناك دول أخرى قد تكون أكثر منا تمسكا به.
تتفاخر الدول فيما بينها بالعمل والإنتاجية وتحاول أن تخرج للعالم أمثلة خارقة للعادة عن مدى تضحية وجدية مواطنيها للعمل على الرفع من سمعة دولها. وقد لا يختلف اثنان فيما قدمه الشعب الياباني والأمريكي والألماني من صورة تعكس صورتها الإبداعية لجدية مواطنيها للعمل والابتكار حتى أصبحنا نعتمد ونعيش عالة عليهم. وتحاول دائما تلك الدول أن تستثمر في تقديم صورة عن مدى جديتهم في تخصصات مختلفة وليس فقط كرة القدم. وتنظر تلك المجتمعات إلى أفرادها غير العاملين على أنهم مصدر قلق لها وأن العمل فرض وواجب وطني وحق للوطن.
لقد مسحت معظم دول أوروبا عن الأرض بعد الحربين العالميتين (1940م). ولكن الشعب الألماني وبميزانية عاجزة استطاع وحده خلال أقل من 70 عاما أن يصل إلى ما هو عليه الآن من قوة صناعية هي الأولى في أوروبا والرابعة عالميا. فهل نحتاج إلى حرب أو سنوات منال فقر لنصحو ويصبح لدينا الوعي بأن العمل فرض علينا؟ ومتى ستصبح لدينا قوى عاملة نستطيع أن نعتمد عليها لنعيش؟
يكثر اللوم على الجهات الحكومية والدولة ولكن مشكلاتنا وتعطيل مصالحنا تأتي منا كمواطنين في عدم احترامنا بعضنا البعض, فالجهات الحكومية هي أصلا مواطنون مثلنا. فنحن نراجعهم ولكنهم لا يعبرونا بل يعطلونا (ما أدري، راجعنا بكرة، راح يجيب أولاده، طلع يفطر أو يشيش....), غير عابئين بتوجيهات ولاة الأمر بعدم تأخير مصالح واحتياجات المواطنين. فكيف يمكننا أن نتقدم وننافس في الوقت الذي نجد فيه معظم الوظائف, خاصة القيادية, ما زال ينام عليها منذ أعوام بعض المسؤولين الذين يورثونها لأبنائهم أو أقاربهم حتى لو كان هناك من هو أكثر تأهيلا منهم! أو مسؤولون ليس لديهم الوطنية والإخلاص الكافي لترك ذلك المنصب لمن هم أجدر وأكفأ منهم, حتى أصبحوا يقتلون بعض الكفاءات الشابة ويمنعونها من الظهور. فالموظف الذي تعبت عليه الدولة ليتعلم ويحصل على شهادات يبقى مصيره وقدره طول حياته تحت رحمة مزاج ومدى استحسان هؤلاء المسؤولين له, فهم الوحيدون الذين يقررون مصيره ومستقبل عائلته وحياته. وهم أقدر على تأهيله من أي جامعة عالمية. إنني أرى أنه لا بد من إيجاد حلول لتلك المشكلة والحل يقتضي بعض الصراحة والإخلاص من بعض المسؤولين لوضع مصلحة الوطن والمواطنين فوق المصلحة الخاصة. فهؤلاء الأقارب أو الأصدقاء يمكن أن يكافأوا بالمنح أو المساعدات المالية ولكن ليس بأن يوضعوا على رؤوس العباد ورقابهم وتقرير مصيرهم.
مما يزيد الأمر سوءا أنه حتى التغير للوزير فقط وليس من تحته أصبح عاملا مساعدا لتوسع تلك الظاهرة لأن ذلك يقوى سلطة ونفوذ من هم تحته ( الوكلاء والمديرون), حيث إن البقاء لهم أو للأسوأ ـ كما يقال. وتبقى بعض الوظائف القيادية لينام عليها أصحابها أو من ورثوها لحين تغير الوزير, فالوزير زائل وهم باقون. ونبقي نعاني هؤلاء المسؤولين وأقاربهم وأرحامهم لعشرات السنين وكأنهم ورثوها. أو يحتلها بالأقدمية موظفون دخلوا السلك الوظيفي في وقت ما دون مؤهلات وكل ما يشفع لهم الأقدمية أو اعتمادهم على بعض الأجانب من الوافدين ليقوموا بأعمالهم.
كما أن الأنظمة والقوانين هي كما كانت منذ 50 عاما ونسخناها من بعض الدول الشقيقة التي غيرت تلك الأنظمة عشرات المرات ونحن ما زلنا نعاني قدم أنظمتنا وعجزها. ويأتي في مقدمتها الأنظمة التي تتعلق بالعمل والعمال والتـأمينات الاجتماعية ونظام التقاعد والزكاة والدخل. فهي أنظمة فيها ازدواجية وتتضارب بعضها مع بعض وباشتراطات تعجيزية ودون وجود أي تنسيق. وهي أنظمة يندر أن ينظر فيها المسؤولون وإن حصل تغير ولو لسطرين خلال عشر سنوات فإنه يعتبر إنجازا يحتفل به وترصد للقائمين عليها مكافآت مع أنها من صميم عملهم اليومي.
وكأنما نحن نناقض أنفسنا. فإذا كانت مسيرة التنمية قد نجحت في إخراج ثمارها من الكفاءات الوطنية فأين هؤلاء؟ التغير دائماً مطلوب والاستفادة من الخبرات والكوادر الحديثة التي استثمرت فيها الدولة بالابتعاث والتعليم قد يؤدي ثماره حيث حان الأوان لأبنائنا أن يردوا الجميل لأهله وأن يسهموا في بناء مستقبل واعد لهم ولأبنائهم. على أن يتم ذلك تحت إشراف لجنة يشارك فيها مجلس الوزراء والشورى لعمل الامتحانات والمقابلات التأهيلية لانتقائها للتأكد من مناسبتا وقدرتها على إدارة دفة الإدارة والتنمية بدلا من المجاملة القبلية والمحسوبية فوق المصلحة العامة الدولة. وأن يتم توظيف الشخص المناسب في المكان المناسب لا أن يكون مؤهلا لهندسة مدنية لإدارة هيئة زراعية بينما الأفضل أن يكون للمواصلات والطرق أو مؤهل فيزياء لهيئة تجارية أو مصرفي ومالي لهيئة مواصلات.
التدهور الحالي للأوضاع الاقتصادية الحالية يحتم علينا شد الحزام والتفاني في العمل ومنع الإسراف والتبذير, وأن نطرح هذه الأمور على طاولة النقاش الموضوعي وبشفافية لنشخص مواقع الثغرات في الاقتصاد ولإعادة هيكلته ليصبح اقتصادا متكاملا له عمود فقرى يحمله ويحميه. وأن نراجع ما تم إنجازه في خطط التنمية السابقة, خاصة نحن في نهاية الخطة الخمسية الثامنة. وأن نسأل أنفسنا لماذا ما زلنا ننتظر صدور ميزانية الدولة بدلا من ميزانية القطاع الخاص أو كليهما؟