رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


المحافظات نواة الإدارة والتنمية المحلية

الإدارة المحلية هي جذور التنمية الوطنية ومكان صناعة القرارات ذات التأثير المباشر في المواطن، والمسئولة عن تدبير وتصريف شئونه الحياتية اليومية، وهي القادرة بالتخصص على مواجهة التحديات والقضايا المحلية ومعالجتها بدراية ووعي وحماس. وعلى الرغم من أهمية الإدارة المحلية من النواحي الاقتصادية والاجتماعية والأمنية، إلا أنها ما زالت تفتقد على الصعيد الوطني الإطار المؤسسي القانوني الذي يحدد التكوين الإداري داخل منظومة النظام السياسي والقانون العام في صفة هيئة محلية تُمنح الأدوار والمسئوليات والصلاحيات الإدارية والمالية بما يتفق مع المعطيات والمتغيرات على الساحتين الداخلية والخارجية، وبما يمكنها من صناعة القرارات التنموية واحتواء تلك المتغيرات وزيادة القدرة على المنافسة الاقتصادية. هناك محاولات للتطوير لكن ليست شمولية، وإنما قطاعية تدور في فلك التنظيم البيروقراطي وداخل الأجهزة الحكومية وتتركز حول اللامركزية المرفقية وليس اللامركزية السياسية. وهذا ما لا يتفق مع طبيعة القضايا المحلية المتشعبة والمتداخلة والمعقدة التي تتطلب وجود هيئة محلية مستقلة إداريا وماليا تكون مسئولة عن إدارة المجتمع المحلي بجميع قطاعاته ووضع الرؤى والاستراتيجيات والسياسات المحلية. الوضع الحالي للإدارة المحلية يكتنفه الغموض وتداخل عدة وحدات إدارية وتعدد مرجعياتها وضعف صلاحياتها والمركزية الشديدة والاعتماد الكبير على التنظيم البيروقراطي دون مجالس نيابية تقوم بصناعة القرارات المحلية. هناك فرق كبير بين اتخاذ القرار وصناعته وهذا الفرق يلزم أخذه بالحسبان في عملية تطوير الإدارة المحلية، فصناعة القرار تستلزم بالضرورة مجالس نيابية تقوم بصياغة السياسات والتشريعات ويقوم بتنفيذها جهاز إداري يكون مساءلا من قبل المجالس النيابية.
في ظل غياب نظام للإدارة المحلية تقف أنظمة مجالس المناطق والمحلية والبلدية قاصرة عن تحقيق الأدوار التنموية الإقليمية والمحلية بسبب ضبابية المسئوليات وضآلة الصلاحيات. هناك إجماع من المسؤولين المحليين والباحثين في مجال الإدارة المحلية بضرورة إيجاد نظام للإدارة المحلية يحقق الكفاءة والفاعلية في العمل الحكومي المحلي ويمنح الفرصة للقيادات الإدارية في صناعة القرارات التي تستجيب لمطالب سكان المدن الحالية والمستقبلية. التوجه الحالي لإدارة المدن في كثير من الدول المتقدمة اجتاز مرحلة الحديث عن الحكم المحلي إلى ما يسمى إدارة المجتمع المحلي (Local Governance) حيث تتداخل جميع مكونات المجتمع في عملية التنمية ولا تقتصر على الأجهزة الحكومية، فتتوسع مسئولية الإدارة المحلية من حدود توفير الخدمات الحكومية إلى تنسيق الجهود وتهيئة المناخ العام لتحريك الموارد وتوجيهها للتنمية المحلية وتحفيز التعاون والتكاتف بين فئات المجتمع، وهو ما يتطلب بطبيعة الحال تنفيذ أدوار وبناء للقدرات القيادية المحلية، والتحول من قدرة التنفيذ والسيطرة إلى المبادرة والتطوير وإحداث التغيير. لم يعد بالإمكان الاستمرار على النهج الروتيني ذاته والثبوتية في الدعوة للحفاظ على الأوضاع والركون للمعتاد، فالتغيرات تعصف من كل جانب ولم تعد المحليات في ظل العولمة بمعزل عن التأثيرات العالمية، وهذا يحتم نظرة جديدة للإدارة المحلية تكون أكثر مرونة وأكثر قدرة على خلق التميز وتطوير الخبرة المتخصصة.
لقد أتيحت لي فرصة الاطلاع من كثب على الفرص والتحديات التي تواجه القيادات المحلية من خلال ورشة العمل التي نظمها مركز الأمير سلمان للإدارة المحلية بالتنسيق مع وكالة وزارة الداخلية لشئون المناطق. تطرقت الورشة التي قمت بالإعداد لها وتقديمها إلى مناقشة دور المحافظين في التنمية المحلية. وقد أسعدني كثيرا مستوى الفكر الإداري والدافعية والحماس لدى كثير من المحافظين المشاركين في الورشة. تدل على ذلك تجاربهم المحلية الناجحة وجهودهم في التنمية المحلية وهي تستحق تسليط الضوء ومناقشتها وتعميمها. لقد استطاع المحافظون بقدراتهم الذاتية وحماسهم ودافعيتهم للإنجاز وتفانيهم لسكان المحافظة تحقيق مشاريع خدمية وجلب موارد إضافية مكنتهم من تحسين أوضاع محافظاتهم. هذا الفكر التنويري والإبداعي يصطدم في كثير من الأحيان بتعقيدات إدارية تحد من أدائهم وتفوت الفرصة في توسيع دائرة العمل التنموي. المحافظون الذين يمثلون نخبة مختارة من مناطق السعودية للمشاركة في ورشة العمل اجمعوا على أن عليهم مضاعفة العمل وبذل المزيد لتخطي المعوقات والتحديات الإدارية. الإشكالية التي تواجههم هي افتقارهم للصلاحيات التي تمكنهم من توجيه التنمية وتحديد الخدمات المطلوبة وطريقة تنفيذها، فرؤساء الأجهزة الفرعية للوزارات الذين هم أعضاء في المجالس المحلية ويرأسهم المحافظ يميلون إلى تنفيذ التعليمات القادمة من وزاراتهم وليس بالضرورة توجهات المحافظة. إلا أن المحافظ وبقوة شخصيته وممارسة دور حشد الجهود والتحفيز الاجتماعي يستطيع تحقيق الكثير وهذا ما تبرهنه تجاربهم الناجحة.
الدكتور أحمد السناني وكيل وزارة الداخلية لشئون المناطق وراء فكرة بناء القدرات المحلية والتطوير الإداري المحلي يعلق آمالا كبيرة على أن يتحول المحافظون إلى عناصر تغيير اجتماعي ويقودون العمل المحلي عبر مبادرات إبداعية في جميع المجالات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والعمرانية. الدكتور السناني وبتوجيه من سمو وزير الداخلية وسمو نائبه   أعد برنامجا طموحا يستضاف فيه مجموعة من المحافظين كل عام ويعقد لهم ورش عمل يطلعون فيها على آخر المستجدات ويتباحثون في القضايا المحلية ويتبادلون الخبرات والتجارب وليتواصلوا فيما بينهم. وهذا أمر في غاية الأهمية إذ يقود نحو استكشاف الفرص والعوائق والخروج بتوصيات تعزز العمل المحلي وتدفع نحو تطوير المجتمعات وتحسين الخدمات العامة كما ونوعا. لقد استحسن المحافظون ما قُدم في الورشة وتفاعلوا معها وطالبوا بالمزيد، بل أن يقوم مركز الأمير سلمان للإدارة المحلية كمركز متخصص بتقديم الاستشارات المهنية والدراسات الميدانية، التي تسهم في التطوير الإداري وصياغة الاستراتيجيات في المحافظات.
المحافظات بإداراتها الشمولية لجميع القطاعات وعلى نطاق جغرافي محدد وموثق تكتمل فيها إلى حد كبير عناصر الهيئة المحلية، أما البلديات فتليها في المستوى الإداري ومن بعدها مراكز الأحياء في المستوى الأدنى. وقد يكون من المناسب أن يضم ممثلون من المجالس البلدية للمجالس المحلية في المحافظات وفي الوقت ذاته يضم رؤساء المجالس المحلية لمجالس المناطق. هكذا نحصل على تسلسل هرمي مكاني للسلطة من المستوى الوطني نزولا لمستوى مجلس المنطقة وبعده المحافظات ومن ثم المجالس البلدية وانتهاء بمراكز الأحياء. إن من شأن هذا التنظيم زيادة فاعلية وكفاءة الأحكام والسيطرة والضبط الاجتماعي وتضييق نطاق الإشراف وتوجيه التنمية. كما أنه يسهم في تحديد المسئوليات والتعرف على مواقع الخلل وحجمها، وفي الوقت ذاته يتيح الفرصة للتخطيط من أسفل إلى أعلى والمحاسبة على نتائج الأداء وليس إلى أي مدى يتم تطبيق الإجراءات الروتينية. ويلخص كل ذلك مقولة كان يرددها الملك عبد العزيز يرحمه الله تختزل فلسفته في الحكم المحلي وهي "يرى الحاضر ما لا يرى الغائب"، وأن العبرة بالنتائج وأهم مؤشرات نجاح المسئول المحلي ألا يشكوه أحد. بهذه الحكمة السياسية والفكر المستنير الواقعي استطاع الملك عبد العزيز أن يوحد الكيان ويجمع الناس في معادلة جلبت النجاح والاستقرار والأمن والأمان من خلال تحقيق التوازن بين المشترك والثوابت الوطنية وفي الوقت ذاته الاعتراف بالاختلاف والتفاوت بين المناطق، بل إنه رحمه الله كان يرى أن الاختلاف والميزة التفضيلية لكل منطقة كانا دافعا ومحفزا نحو التكامل الاقتصادي والثقافي، وقد يكون هذا سر نجاحه يرحمه الله في مواجهة التحديات الاقتصادية وندرة الموارد المالية. لقد حان الوقت في أن نتناول موضوع الإدارة المحلية برؤية جديدة وجادة ليس من أجل التنمية المحلية وحسب ولكن لزيادة اللحمة الوطنية وتعزيز العلاقة الحميمية بين الحاكم والمواطن، فهل يصدر نظام للإدارة المحلية تكون فيه المحافظات نواة للإدارة المحلية وتمنح الاستقلال المالي والإداري لتكون قادرة على خلق التميز المطلوب؟!

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي