2008 .. عام كارثي على المصارف والأسوأ منذ الكساد الكبير

2008 .. عام كارثي على المصارف والأسوأ منذ الكساد الكبير
2008 .. عام كارثي على المصارف والأسوأ منذ الكساد الكبير

بين الخسائر الفادحة والانهيارات الكارثية وخطط الإنقاذ الهائلة، ومن ضمنها التأميم، سيترك عام 2008 ولفترة طويلة تأثيرا كبيرا في المصارف العالمية التي غرقت في أزمة لم تشهد مثيلا لها منذ الكساد الكبير. وأوجزت أورسولا فون در ليين وزيرة شؤون الأسرة الألمانية أخيرا للأطفال ما حصل بقولها "فجأة انتهت الحفلة. تغادرون وأنتم مصابين بصداع. البعض يتعرض لحادث سير وينتهي به الأمر في العناية الفائقة. هكذا جرت الأمور في الأسواق المالية".
وهذه الأزمة التي لفتت العالم أجمع نشأت في العام السابق من أزمة القروض العقارية العالية المخاطر في الولايات المتحدة حيث عمدت المصارف الأمريكية إلى توزيع هذه القروض المتعثرة في النظام المالي العالمي برمته ما أدى إلى زعزعته بالكامل، وأدى هذا إلى خسارة المؤسسات المالية مئات مليارات الدولارات وانهيار أسهمها. لكن قلة من الخبراء كانوا يتخيلون حجم الكارثة التي ستنجم عن هذه الأزمة.
والضحية الأولى لهذه الأزمة كان أصغر مصرف للأعمال في "وول ستريت"، مصرف "بير ستيرنز" الذي انهار في آذار (مارس)، وعمد الاحتياطي الفيدرالي إلى تجنيبه الإفلاس عبر تقديم شروط مغرية للغاية إلى منافسه "جاي . بي  موغان تشايس" لكي يشتريه.
ولكن هذه الهزة التي تعرضت لها "وول ستريت" لم تكن شيئا بالمقارنة بالزلزال المدمر الذي ضربها لاحقا في الخريف.
فأمام إخفاقه في إيجاد مخرج لأزمته وعدم وجود أي جهة مستعدة لشرائه لم يجد مصرف "ليمان براذرز"، رابع أكبر مصرف أعمال في الولايات المتحدة، أمامه سوى إشهار إفلاسه في 15 أيلول (سبتمبر). ضربة نبهت القطاع المصرفي برمته إلى الإعصار الآتي لا محالة والذي سيفوق في حجمه وتأثيراته وتداعياته كل ما سبقه من أعاصير منذ الكساد الكبير في ثلاثينيات القرن الماضي، مع إصابة حركة القروض بشلل تام.
هذا الإفلاس دفع كريستين لاغارد وزيرة الاقتصاد الفرنسية إلى القول بعد ثلاثة أسابيع إن "ما كان مأسويا هو قرار (وزير الخزانة الأمريكي) هنري بولسون ترك "ليمان براذرز" ينهار. (...) عندما تدعون حجر دومينو يسقط فإن كل أحجار الدومينو الباقية ستسقط".
وتجنبت "ميريل لينش" هذا المصير بعدما اشتراها في اليوم عينه مصرف "بنك أوف أمريكا". وبذلك لم يعد في الولايات المتحدة إلا مصرفا أعمال هما "جولدمان ساكس" و"مورجان ستانلي"، ولكنهما سيتخليان طوعا عن هذه الصفة في 21 أيلول (سبتمبر) للاستفادة من التمويلات الحكومية التي لا تمنح لمصارف الأعمال.
#2#
وفي مسعى منها لإعادة تنشيط نظام مالي يقف على شفير الانهيار التام، وضعت الخزانة الأمريكية خطة إنقاذ بقيمة 700 مليار دولار أقرها الكونجرس في 3 تشرين الأول (أكتوبر).
وتوقعت ميريديث وايتني الخبيرة المالية الشهيرة في "وول ستريت" من شركة أوبنهايمر اند كو منتصف كانون الأول (ديسمبر) أن "تبقى المصارف الكبرى في غرفة الإنعاش لمدة 18 شهرا على الأقل، إذا لم نقل 36 شهرا. (...) إن الرأسمال (الذي ضخته الدولة) يسد ثغرات لديها ولكنه لا يمول نموها". ولكن الإعصار المالي الذي تشكل في الولايات المتحدة لم يبق هناك، إذ سرعان ما عبر المحيط الأطلسي.
ففي أوروبا وجدت شركة نورثرن روك المتخصصة في الرهن العقاري نفسها أمام التأميم، حيث انتقلت ملكيتها إلى الدولة في شباط (فبراير).
أما مصرف "فورتيس البلجيكي - الهولندي الذي كان مهددا بالانهيار أيضا فنجاه من هذا المصير المال العام في 28 أيلول (سبتمبر). وفي اليوم التالي كان دور مصرف "برادفورد اند برينغلي" البريطاني. وبعدها بيومين كان الدور على مصرف "ديكسيا" الفرنسي - البلجيكي الذي يمول البلديات.
وانقسم الاتحاد الأوروبي حول الإجراءات التي تتخذها هذه الدولة أو تلك من أعضائه لحماية مدخريها من الإفلاس، قبل أن يعد بوضع خطط إنقاذية للمصارف. وتم استلهام هذه الخطط بشكل كبير من الخطة التي أعلنها رئيس الوزراء البريطاني جوردن براون في 8 تشرين الأول (أكتوبر) وبلغت قيمتها 50 مليار جنيه. أما آيسلندا الدولة الأكثر اعتمادا على المصارف في العالم فاضطرت إلى تأميم ثلاث من مؤسساتها المالية (كوبثينغ، غليتنير ولانبانسكي) أواخر أيلول (سبتمبر) وأوائل تشرين الأول (أكتوبر) قبل أن تطلب قرضا من صندوق النقد الدولي.
وتطول لائحة المصارف الأوروبية التي اندمجت على عجل بأخرى أكبر منها لتفادي الانهيار: "دريسدنر بنك" اندمج مع "كومرزبنك"، و"إتش بي أو إس" اندمج مع "تي إس بي"، و"إليانس اند ليشستر" اندمج مع "سانتاندر". والأمر عينه في الولايات المتحدة: "كانتري وايد" اندمج مع "بنك أوف أمريكا" و"وأكوفيا" اندمج مع "ويلس فارغو" و"واشنطن ميوتشوال" اندمج مع "جاي بي مورجان تشايس" و"ناشونال سيتي" اندمج مع "بي إن سي".
وحتى اليوم سجلت لائحة الإفلاسات المصرفية في الولايات المتحدة هذا العام 25 إفلاسا، لتصبح بذلك اللائحة الأطول في عام في تاريخ الولايات المتحدة.
حتى الكبار لم يصمدوا أمام شدة الإعصار المالي.
فمصرف "سيتي جروب" الذي كان متربعا على عرش أول مصرف في الولايات المتحدة أعلن في 23 تشرين الثاني (نوفمبر) أنه مهدد بالانهيار في حال لم يتلق مساعدة حكومية. والأمر عينه بالنسبة إلى "يو بي إس" الذي كان يحمل لقب أول مصرف سويسري، والذي دعمته الدولة قبل أن تنهار سمعته بسبب سوء إدارته وتفوح منه رائحة فضائح عديدة. أما عملاق التأمين "إيه آي جي" فاضطرت الحكومة الأمريكية إلى مده بـ 125 مليار دولار للحؤول دون انهياره. وكان مصرف "سوسييتيه جنرال" الفرنسي قد سجل في كانون الثاني (يناير) خسارة تاريخية بلغت 4.9 مليارات يورو تسبب فيها وسيط واحد في المصرف هو الفرنسي جيروم كيرفيل. ولكن هذه الخسارة القياسية لن تظل كذلك على الأرجح بعد الإعلان في كانون الأول (ديسمبر) عن فضيحة مالية أخرى هي قضية الاحتيال المتهم بها احد أشهر مديري الصناديق الاستثمارية في نيويورك برنارد مادوف والبالغة قيمتها 50 مليار دولار.

الأكثر قراءة