ما مدى اختلافنا في تعريف ماهية المدير السيئ؟
"إما أن تقبل وتتحمل صامتا ما تعانيه أو أن ترحل في صمت. قد تتظلم ولكن إذا خرجت بخفي حنين وقليل من الصداع أو لم تخرج بأي شيء قط فلا تتباكى على الزمن الغابر". هذا ما يتكرر كثيرا في بلداننا العربية عندما تضيق بموظف دنياه ويقع فريسة لرئيس سيرته الذاتية لا تزيد على سطرين. على النقيض تقريبا فإن كثيرا من الدول المتقدمة تضع مسألة تعيين أو تكليف مسؤول تحت المجهر لقياس قدراته الحقيقية إضافة إلى التعامل مع الوضع بالاعتماد على النظم واللوائح لحفظ حقوق جميع الأطراف، ومن ثم قياس مدى التأثير الاقتصادي لقرارات المسؤول وما قد يسببه من خفض الإنتاجية وزيادة المصروفات وخسارة المؤهلين لقيادة السفينة التي أسندت إليه قيادتها. لقد ركز المهتمون والباحثون اهتمامهم بتطوير المنشأة كمؤسسة إدارية أو خدمية أو مصنع بغية تفادي استمرار الخدمات العامة والخاصة في التدهور, ولقد تأكد للجميع في أنحاء العالم أن كل موظف يتعرض في فترة من فترات عمله لمسؤول سيئ قد يكلف المنشأة أو كامل الجهاز الكثير من المال أو فقدان العمل بروح الفريق الواحد واهتزاز الروح "الأسرية" بين صفوف العاملين. في جانب من تأثيرات الأزمة المالية الأخيرة وتداعياتها لابد أن نتعلم أنه تأكد ما توصلت إليه الأبحاث التي نشرت ابتداء من عام 2000م بما فيها بحث مِزجر في عام 2004 ودوتشمان في عام 2005 ومن ثم نيومان وخلافهم فيما بعد أن تحميل الخزانة العامة تكاليف لا داعي لها لابد أن يوقف بحزم من قبل أصحاب القرار الأعلى فالأعلى حتى لا تتحول القضية إلى كارثة اقتصادية يتعثر معها التعويض آنياً أو مستقبلا. في جامعة فلوريدا بأمريكا وجامعة بوند في أستراليا أجريت دراسات عدة في السنوات الماضية دلت على أن نحو 64 في المائة من الرؤساء سيئون في نظر المرؤوسين سواء في القطاع العام أو الخاص. ولئلا يشكك في مصداقية النتائج فقد تركزت الدراسات في تحديد نوعية السوء ومن هو المدير السيئ؟, وما مدى التأثير على العمل والقوى العاملة ماديا ومعنويا ونفسيا؟.
باستحضار هذه الدراسات ومحاولة فهم ما يجري في مجتمعاتنا (بالطبع لم تجر دراسة واحدة مماثلة في مجتمعاتنا) فإن حمى التخصيص أفرزت موجة تفريغ إداري عصفت بكثير من قطاعاتنا العامة دون إعداد الأجهزة للصف الثاني والثالث. لقد نشر كين بحثه عام 2006 (الذي قام به في دولة باردة طقساً, ومنظمة مؤسساتياً) مؤكدا أن عجرفة المدير الزائدة عن حدها يمكن أن تؤدي إلى تمكن الغضب من الموظف فيقوم بما لا يخدم العمل, فكيف سيكون قياسا بذلك حجم التأثير في مجتمعاتنا العربية والإسلامية؟. نظريا أستطيع القول إنه لو أردنا تطبيق مثل هذه الدراسات على مجتمعاتنا الساخنة نفسيا والباردة أداء وعملياً لوجدنا أن النتيجة سيئة لعدم وجود أمان وظيفي في القطاع الخاص وكثير من الإحباط الإداري في القطاع العام وبالطبع في درجة حرارة عالية للطقس. السؤال هنا: هل يرى المدير السيئ الذي اعتبر كذلك حسب التقييم المنطقي أنه تسبب في إشكال مؤثر وكبير يعطل مسيرة المؤسسة أو القطاع أو يؤثر في مسيرة تنمية الدولة بسبله "الذكية" في التعامل مع المجتمع واحتياجاته؟ هل يمكن أن يعي هو أنه بعد خروجه سيبدأ في مواجهة مجتمعه؟.
البحث الذي نشر عام 2005م الذي أنجزه المؤلفان Marcus Buckingham & Curt Coffman على مدى 25 عاما كان أكبر بحث أجري في علم الإدارة على الإطلاق - حسب العديد من المراجع - حيث تم مقابلة (مليون موظف, و80 ألف مدير) في أكبر مؤسسات وشركات في قطاعات مختلفة ووجدوا أن: المديرين الجيدين المحددين بإجابتهم عن أسئلة الاستبيان هم من كانت عوائد مؤسساتهم عالية وموظفوهم أكثر سعادة في العمل، وعلى النقيض من لم تكن إجاباتهم حسب المتوقع. أما من ناحية تحديد ماهية "السوء" ففي شباط (فبراير) العام الماضي 2007 أجريت دراسة في جامعة ولاية فلوريدا لقياس مدى تأثير المدير السيئ في بيئة العمل، ولقد حددت معايير السوء كالتالي: عدم القدرة على حفظ الوعود والعهود, عدم إعطاء الموظف ما يستحقه من التقدير, الاكتفاء بالصمت إلى أن تحل المشكلات بنفسها, التفوه بما لا يليق, اختراق الخصوصية, وتغطية الأخطاء الذاتية بملامة الآخرين. هذه الدراسة أظهرت أن 60 في المائة من العينة عكسوا أجوبة سارة جدا عن مديريهم، وقد كانوا مستعدين للابتكار وللعمل ساعات إضافية دون مقابل... إلخ, من أجل بيئة عمل حسنة. كل هذا وضح أنه يمكن أن يترجم إلى عوائد مالية وسمعة إدارية أو تجارية أو عملية رفيعة. ولتعليل حدوث ذلك فهناك أبحاث عدة أيضا أكدت أن قرابة 47 في المائة من المديرين لم يؤهلوا لمواقعهم لتحقيق المطلوب ما تسبب في أرجحة نشاط المؤسسة وركنوا إلى أساليب مختلفة لتغطية الإخفاق أو عشوائية التخطيط والتنفيذ, فهل نتمكن من القيام بدراسات ضخمة وواسعة النطاق علمية ومنهجية - لا صحفية إعلامية - لنفهم كيف يمكن أن نستفيد من نتائجها في تحقيق مصلحة العمل والمجتمع؟. آمل ذلك.