الإمدادات العالمية المحتملة من مصادر النفط غير التقليدية المصنعة

الفحم الحجري إلى سوائل Coal To Liquids

لقد تطرقنا في المقال السابق إلى مصادر السوائل النفطية المصنعة synthetic oil من الغاز الطبيعي Gas To Liquids، في هذا المقال سيتم التركيز على نوع آخرمن مصادر السوائل النفطية غير التقليدية، تلك المصنعة synthetic oil من الفحم الحجري Coal To Liquids بتفصيل أكثر، خصوصا التعرف على وفرتها عالمياً، التقنيات المستخدمة في استغلالها، تقنيات إنتاجها وتحويلها إلى سوائل نفطية مشابهة لتلك المكررة في المصافي التقليدية والجوانب الاقتصادية المتعلقة باستغلالها.
هذه العملية يعود تاريخها إلى 1913، وتم استخدام هذه التقنية خلال الحرب العالمية الثانية من قبل ألمانيا واليابان لتوفير الوقود السائل للمعدات العسكرية. وتم عام 1955 افتتاح أول وحدة لتحويل الفحم إلى سوائل تستخدم الفحم الحجري في جنوب إفريقيا من قبل شركة ساسول، التي استمر العمل فيها حتى يومنا هذا، بعد إجراء التحسينات والتوسيعات على المشروع الأصلي.
وشهدت السنوات القليلة الماضية تجدد الاهتمام بهذه العملية والتي الآن تطبق على نطاق تجاري واسع. الأسباب الكامنة وراء هذا التطور كان ارتفاع أسعار النفط عن معدلاتها السائدة في التسعينيات من القرن الماضي، وجود احتياطيات هائلة من الفحم الحجري، خصوصا في البلدان المستوردة للنفط بصورة كبيرة، والتي احتياطياتها وإنتاجها من النفط والغاز بدأ بالتقهقر والطلب المتزايد على وقود النقل بصورة عامة. علاوة على ذلك، شهدت هذه التقنية تطوراً كبيراً في الكفاءة وتكاليف الإنتاج والسلامة، كما أن هذه التقنية تنتج مركبات هيدروكربونية عالية النقاوة ذات محتوى كبريتي قريب من الصفر يلبي متطلبات التشريعات الخاصة بالبيئة.
بلغ الاحتياطي العالمي من الفحم الحجري أكثر من 900 مليار طن في نهاية عام 2007. يتركز معظم هذا المخزون العالمي من الفحم الحجري في ثلاث مناطق جغرافية رئيسة هي: دول الاتحاد السوفياتي السابقة وبالتحديد في روسيا الاتحادية، أمريكا الشمالية ومنطقة آسيا والمحيط الهادئ. حيث تضم هذه المناطق أكثر من 92 في المائة من الاحتياطي العالمي. التوزيع الجغرافي العالمي لاحتياطيات الفحم الحجري يختلف كثيرا مقارنة بتوزيع النفط الخام، حيث إن 92 في المائة من احتياطيات الفحم الحجري في العالم توجد في عشرة بلدان فقط. كما أن دول العالم المستهلكة والمستوردة للنفط بصورة كبيرة هي التي تمتلك أكبر احتياطيات الفحم الحجري، باستثناء الاتحاد الروسي، حيث إنه من الدول الغنية في النفط والغاز والفحم.
يمكن تحويل الفحم إلى وقود سائل مثل البنزين أو الديزل بواسطة عدة عمليات مختلفة. وكما في حالة تحويل الغاز إلى سوائل هيدروكربونية، توجد تقنيتان رئيستان لإنتاج السوائل النفطية المصنعة من الفحم الحجري: تقنية التحويل المباشرة للفحم الحجري إلى سائل وتقنية التحويل غير المباشرة، وذلك بتحويل الفحم أولا إلى غاز صناعي synthesis gas وهو عبارة عن مزيج من غاز الهيدروجين وغاز أول أوكسيد الكربون، وفي المرحلة الثانية يتم تحويل وتكثيف الغاز الصناعي إلى سوائل هيدروكربونية خفيفة باستخدام عامل مساعد، تعرف هذه العملية بتقنية فيشر تروبش Fischer-Tropsch. يمكن كذلك تحويل الغاز الصناعي بهذه التقنية إلى ميثانول، الذي يمكن استخدامه وقوداً أو مضافات للوقود أو بمعاملة إضافية يمكن تحويله إلى البنزين. شركة ساسول في جنوب إفريقيا تمتلك خبرة واسعة في بناء وتشغيل تقنية فيشر تروبش المبنية على أساس تحويل الفحم إلى غاز صناعي coal gasification، حيث تقوم سنويا بتحويل نحو 42 طناً مترياً من الفحم إلى ستة مليارات لتر من الوقود الاصطناعي وملياري لتر من المواد الكيميائية، ما يقرب من 150 ألف برميل في اليوم.
تقنية التحويل المباشرة للفحم الحجري إلى سائل هي أيضا متوافرة اليوم، حيث يتم في هذه العملية تحويل الفحم إلى سوائل هيدروكربونية بصورة مباشرة عن طريق رفع نسبة الهيدروجين إلى الكربون، وذلك بإضافة غاز الهيدروجين إلى عجينة الفحم، وبوجود عامل مساعد يتم إنتاج النفط الخام الاصطناعي. تقوم الصين حاليا ببناء مصنع يعمل بتقنية التحويل المباشرة للفحم الحجري إلى سائل في منغوليا الداخلية، والتي ستكون له القدرة الأولية لإنتاج 20 ألف برميل في اليوم، ومن المتوقع أن يزداد الإنتاج إلى نحو 80 ألف برميل في اليوم في وقت لاحق. وتعد هذه العملية أكثر كفاءة من سابقتها، وعلى الرغم من ذلك، فهي عملية صعبة.
المرحلة النهائية تتم في وحدة مشابهة للمصافي التقليدية للحصول على المنتجات النهائية. وتتألف هذه الوحدة من برج للتكسير باستخدام الهيدروجين، والذي يقوم بتحويل وتقطير المنتجات الشمعية (مواد هيدروكربونية سائلة) الناتجة من عملية فيشر تروبش إلى المنتج النهائي، والذي يمكن أن يستخدم مباشرة أو يمزج مع مواد هيدروكربونية أخرى.
إن من مساوئ هذه الأساليب الانبعاثات الكبيرة لغاز ثاني أوكسيد الكربون في عملية التحويل، حيث إن كمية غاز ثاني أوكسيد الكربون المنبعثة من هذه الأساليب تفوق بكثير تلك المنبعثة من استخراج وتصفية ونقل النفط الخام.
كذلك تتميز مشاريع استثمار تحويل الفحم الحجري إلى سوائل هيدروكربونية بارتفاع الكلف الرأسمالية والتشغيلية، كما أنه في كثير من الأحيان الكلف الحقيقية تتجاوز ما هو مخطط، وتتفاوت كلف المشاريع تبعا لنوعية التقنية المستخدمة في الإنتاج، ومواصفات المنتج المسوق. الجدوى الاقتصادية لهذه المشاريع تتأثر في الغالب من جانب أربعة عوامل رئيسة هي: التكاليف الرأسمالية للمشروع، تكاليف التشغيل بما في ذلك تكلفة الفحم المستخدم وسعر النفط الخام، والنظام الضريبي. كما أن توافر احتياطيات كبيرة من الفحم الحجري مهم لمشروع تحويل الفحم إلى سوائل لأن تكاليف رأس المال المستثمر في تحويل الفحم إلى سوائل يجب أن يتم سدادها على مدى فترة طويلة من الزمن، وأنه من المهم أيضا كلف المعدات المساندة التي تعمل على، أو بالقرب منها ، بكامل طاقتها. وفي المتوسط تحتاج هذه المشاريع إلى أسعار نفط بحدود 55 إلى 65 دولاراً للبرميل لتصبح اقتصادية.
ومن المتوقع أن يزداد الإنتاج من مصادر السوائل النفطية المصنعة synthetic oil من الفحم الحجري Coal To Liquids في كل من الولايات المتحدة والصين وجنوب إفريقيا ودول أخرى. حيث من المتوقع أن يزداد من نحو 150 ألف برميل في اليوم إلى نحو 300 ألف برميل في اليوم في عام 2010، وإلى نحو 550 ألف برميلاً في اليوم في عام 2015، و800 ألف برميل في اليوم بحلول عام 2020 ولديه القدرة على الوصول إلى 1.2 مليون برميل في اليوم بحلول عام 2025، و1.5 مليون برميل في اليوم بحلول عام 2030. من المتوقع أن يأتي الإنتاج أساسا من جنوب إفريقيا والصين والولايات المتحدة.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي