رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


هل أفشلت بنوكنا التجارية خطط مؤسسة النقد لدعم السيولة؟

مؤسسة النقد أكثر من مرة وعلى لسان كبار المسئولين فيها أنها ستوفر السيولة التي تحتاج إليها البنوك التجارية لمواجهة عملياتها والتزاماتها، بل إن الرجل الثاني في المؤسسة أكد في تصريح تلفزيوني أن البنوك التجارية تستطيع توفير عشرات المليارات من السيولة إذا رغبت في ذلك، لكنها حسب رأيه لم تحتج إلى ذلك، والجزء الأول من هذا كلام صحيح وتشكر عليه مؤسسة النقد التي تعاملت مع أزمة المال العالمية كما ينبغي، لكن الجزء الآخر يحتاج إلى وقفة، فواقع الحال لم يعد كما هو في السابق من حيث رغبة البنوك نفسها في توسيع عملياتها الإقراضية أو على الأقل السير بها حسب المعدلات والأرقام التي سبقت الأزمة العالمية، وبعبارة أخرى فإن البنوك خفضت عملياتها الإقراضية إلى أدنى مستوى بإرادتها وشددت إجراءات أية عمليات إقراضية جديدة، بل إن بعض البنوك ترفض هذه الأيام أية طلبات إقراض من عملاء جدد، وبعضها خفض عملياته الموجهة للأفراد ورفع الفوائد عليها رغم انخفاضها.
والبنوك التي قامت بهذه الإجراءات تعتقد أنها تسلك طريق الحيطة والحذر وتحاول قدر استطاعتها ـ كما تعتقد - الابتعاد عن المخاطر التي قد تطولها إذا ما استمرت في عملياتها كما كانت تفعل في السابق.
وفي الحقيقة أن ما تقوم به تلك البنوك هو ضرب في خاصرة الاقتصاد الوطني الذي سيتأثر سلبا جراء تلك الإجراءات والاحتياطات المبالغ فيها، وسيكون لها تأثير بالغ في التنمية ومعدل النمو في القطاع الخاص، كما أنها ستثير بلبلة لا طائل من ورائها في الأوساط التجارية والصناعية والاستثمارية داخل المملكة.
مؤسسة النقد التي تفاعلت مع الأزمة منذ بدايتها عن طريق تخفيض معدل الفائدة العكسي (الريبو) وخفض نسب الاحتياطي الإلزامي للودائع تعتقد أن مثل تلك الإجراءات ستدعم السيولة التي تكفي لمواجهة العمليات الائتمانية التي لا يستغني عنها أي اقتصاد في العالم لكن هذا لن يتحقق في ظل تعاطي البنوك بسلبية مع كل تلك الإجراءات المهمة، بل إن ما قامت به الأخيرة وضعنا رغما عنا في قلب عاصمة الأزمة العالمية رغم بعدنا عنها وعن تأثيراتها السلبية، وهو ما يتطلب إجراءات أخرى من قبل المؤسسة التي يهمها مواصلة القطاع الخاص تحقيق نسب نمو جيدة خلال العام المقبل والأعوام التي تليه.
لا أعرف أسباباً يمكن الاعتداد بها تفسر ما تقوم به البنوك اليوم، فإذا كانت عملياتها الإقراضية تفوق ودائعها الآن فهذا يعني أنها في قلب العاصفة أصلا ولن تفيد أية إجراءات تقوم بها للحد من المخاطر التي تعتقد أنها توجب ما تقوم به اليوم، رغم عدم صحة مثل هذا القول.
ما تقوم به بنوكنا يشبه ردة فعل أم أصيب أبنها في حادث، فقامت بعد شفائه بقفل الأبواب عليه كيلا يصاب مرة أخرى وهي ربما لا تعلم أن الحادث وقع ولا فائدة من سجنه في المنزل بعد أن أصيب، من هنا فإن استمرار البنوك في خفض عملياتها الائتمانية في السوق يخالف توجه الدولة من جهة ويسهم في إلحاق أضرار جسيمة ومتلاحقة بالاقتصاد الوطني سواء كانت مباشرة وغير مباشرة، مثل تعطيل كثير من المشاريع الجديدة والقائمة وخفض معدلات البيع للسلع الاستهلاكية والمعمرة وهذا ما سيتسبب في إلحاق خسائر لكثير من المصانع والموزعين والمستثمرين الذين بدأوا يشعرون أن هناك ركودا في السوق طال عملياتهم، رغم توافر السيولة وانخفاض معدلات الفائدة التي تدفع منطقيا للازدهار والنمو الاقتصادي لا العكس كما يحدث هذه الأيام.
لن تتخلص المملكة بشكل نهائي من تبعات أزمتي المال والاقتصاد التي أصابت العالم إلا بإجراءات على الأرض تدعم توسيع عمليات الائتمان في سوق متعطشة للنمو، فهذا هو ما سيطمئن السوق الداخلية أن اقتصادنا بخير، لكن الحد من الإقراض سيسهم في ظهور حالة ركود قد يعقبها عمليات إفلاس لبعض المنشآت إذا ما استمر الحال على ما هو عليه، الأمر الذي سيلحق أضرارا كبيرة بالبنوك نفسها التي تسببت في ظهور الركود وتغذيته وهي التي تطالب منشآت القطاع الخاص بتسديد قروض ضخمة منحتها لها قبل ظهور الأزمة.
أعلم أن مؤسسة النقد لا تستطيع إلزام البنوك بتوسيع عملياتها داخل السوق المحلية، لكنها تستطيع أن تراقب عن كثب ما يحصل في سوق الإقراض، ويمكنها أيضا طمأنة مسؤولي تلك البنوك التي خفضت عملياتها أو رفعت معدلات عمولاتها أن اقتصاد المملكة بخير، وأن مثل هذا الإجراء يضر بالاقتصاد الوطني وأنه غير مبرر بالعقل والمنطق، كما يمكنها أيضا التأكيد على رؤية القيادة وأهدافها بهذا الخصوص وأن أية إجراءات قد تحد من تحقيق تلك الأهداف سيكون له تأثير سلبي يتجاوز حسابات البنوك الضيقة إلى ما هو أكبر وأعظم وهذا ما لا يشجعه أو يعمل عليه أحد.
أخيرا فإن حسابات البنوك الضيقة والتي تدور حول رفع أرباحها أو المحافظة عليها قد تحملنا خسائر كبيرة تتجاوز حسابات البنوك وتطول أنشطة وقطاعات كثيرة تعتمد على عمليات الائتمان في عملياتها، وهذا ما لا نرجو حدوثه.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي