رسالة الخطأ

  • لم يتم إنشاء الملف.
  • لم يتم إنشاء الملف.


صندوق لمحاربة الفقر أم صندوق لمحاربة التلاعب بالزكاة؟

نستغرب ويستغرب العالم حولنا عندما يسمع أننا من أغنى دول العالم ونملك أكبر ثروة ومخزون نفطي في العالم ومع ذلك نسمع بصندوق لمعالجة أو محاربة الفقر. وهل يعقل أن مجموع زكاة وصدقات الأثرياء والبنوك والشركات الكبرى, التي رساميلها مليارات لم تحل مشكلة الفقر لدينا؟ وهل من المعقول أن نسمع بمشاريع بمئات المليارات بينما لا يزال لدينا فقراء؟ إنني أشك في مدى تقيدنا بدفع الزكاة! تريليون واحد زكاته هي 25 مليار ريال! أكبر من ميزانية بعض الدول المجاورة وقد تحل مشكلات الفقر في عشر دول.
وبالطبع أين شرف مهنة بعض المحاسبين القانونين الذين يبصمون فقط على الميزانيات أو يقومون بتجهيز ميزانيتين إحداهما للزكاة توضح عدم استحقاقها بينما الأخرى داخلية فقط لاستعمال الشركة. وأين الرقيب والعقوبات؟ وأين زكاة العروض على الأراضي المعدة للبيع أو على الأقل التي عليها لوحات للبيع.
وأين زكاة الأفراد والمواطنين! وهل من حقنا أن نسرف ونبذخ بالتبضع الفاحش والمبذر في حفلات الزواج والأفراح أو إعلانات العزاء والمأتم عوضا عن احتواء هذه الأموال أو زكاتها لتدور داخل الوطن ولننتفع بها في القضاء على البطالة والفقر بدلا من الرمي بنعم الله في (الزبالة) لتتربى عليها الحشرات والبعوض وتنقل لنا الأمراض. فلماذا لا نؤمن ونطبق ما ينهى عنه ديننا ونبينا من مظاهر الإسراف؟ ولماذا تموت فينا روح الإحساس أو الشعور بالوطنية؟ ومتى نقدر أهميته, فالله لا يصلح قوم حتى يصلحوا ما بأنفسهم. وأن نشكر الله على نعمه قبل أن تزول. وقوله تعالى" خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم". وقوله "جهنم فتكوى جباههم وجنوبهم وظهورهم هذا ما كنزتم فذوقوا ما كنتم تكنزون".
أخشى ما نخفاه أن نصبح مثل بعض دول العالم الفقيرة التي تكبر فيها الفجوة بين الطبقة الفقيرة والغنية فتكبر شريحة الفقراء وتصغر شريحة الأغنياء وتختفي الطبقة المتوسطة. والوجه الآخر لمكافحة الغنى هو ما يصيب المواطن من الإحباط بسيطرة حفنة من الأغنياء أو القطط السمان كما يسمونهم في مصر لما نسمع به من فرص للربح السريع والمبالغ فيه أو المنح والامتيازات بمئات الملايين لحفنة من المجتمع بينما لا يجد البعض ما يأكله. وبذلك ينصرف الناس عن التحصيل العلمي والمهني ليلتصقوا و(يتسدحوا) حول هؤلاء الأثرياء, حيث إن ما قد يجنونه من العمل لسنين لن يكون محرزاً وقد يحصلون على أضعافه من (مخاواتهم) أو الربح بطرق أخرى غير مشروعة.

هناك خلل واضح والمشكلة كبيرة والحل أوضح وهو أننا يحب أن نؤسس صندوقا لمطاردة المتخلفين والمتلاعبين في تسديد الزكاة سواء كانوا أشخاصا أو مؤسسات, وكذلك مساءلة مكاتب المحاسبة التي تتلاعب فيها. وأن نشدد في ذلك كما نشدد على الصلاة, فالزكاة هي ثالث أركان الإسلام الخمسة. ومحاولة إرغام هؤلاء الأثرياء على دفع المستحق عليهم وكيفية توزيع تلك المدخرات وتوصيلها إلى المحتاجين الحقيقيين. وإذا لم يستجيبوا فإنني أرى أننا يحب أن نتدخل بتوقيع غرامات أو جعلهم يدفعون رسوما لكل عملية تجارية يقومون بها لتحول لصندوق الفقر.
فالتلاعب في الزكاة مشابه للتلاعب في تسديد الضرائب في الدول الأخرى, والتي يعاقب عليها النظام في تلك الدول بصرامة, فلماذا لا نكون أشد صرامة منهم في تطبيق شريعتنا؟ قد يكون الفرق أن تلك الدول لديها نظام ضرائبي مربوط بمراكز معلوماتية وأرقام بطاقة الهوية لكل مواطن أو منشأة تربط جميع المعلومات عنه سواء الدخل أو الحسابات البنكية أو الصادرات والواردات أو ما يتسلمه من الضمان الصحي أو الاجتماعي. وهذه المعلومات يمكن فحصها وإعادة (تشييكها) لكشف أي تلاعب أو تضارب.
لذلك فإنني أعود للتذكير بأننا في حاجة ماسة إلى نوع من التخطيط الاستراتيجي والتنسيقي لوضع نظام وطني شامل ودستور متكامل الحلقات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية يكون العمود الفقري لجميع الأنظمة والقرارات الذي يضمن ترابط تلك الأنظمة وردها بعضها على بعض. وهو نظام له دوره في تحديد نقاط الضعف والعيوب وكشف بعض المشكلات الظاهرة التي تقبع وتختبئ في مواقع لا نراها. وأن يكون هناك رقم زكوي مرتبط برقم السجل المدني للمواطنين وأرقام السجلات التجارية والجمارك وبحيث تجمع المعلومات ونعرف ما دخل كل مواطن أو مؤسسة وشركة. ومنها يمكن معرفة تدفقات الزكاة ومن يتهرب من تسديدها. وكذلك معرفة من تسلم الزكاة وهل هو فعلاَ في حاجة إليها أو مستحق لها.
وإيجاد مثل هذا النظام يكون مربوطا بأحد الأنظمة المتكاملة التي تربط حلقاته مثل نظام الضرائب (نظام إسلامي مركب من الزكاة والأوقاف والخراج والرسوم والمكوس) الذي يشكل أهم الأنظمة التي توفر معظم المعلومات عن المواطن والشركات والدخل العام ومنها تشتق جميع المؤشرات الاقتصادية والاجتماعية.
كما أن مساهمة القطاعين الخاص والعام ضرورية في عملية التوحيد القياسي والربط للأنظمة والمعلوماتية الحكومية في قاعدة معلومات موحدة وتوحيد للنماذج والاستمارات الاستبيانية ويتم عادة إصدار بطاقات ممغنطة لكل مواطن. وهذا الربط في أبسط صوره لا يقف عند هذا الحد بل يتعداه ليصبح نظاما شاملا ومتكاملا يربط هذه البطاقات الممغنطة من السجل المدني والصحي إلى التجاري ومصلحة الجمارك والزكاة والدخل والاستقدام والسعودة والسجل الصحي والتقاعدي .. إلخ.
وبذلك نعرف من المستفيدون الفعليون من الزكاة ومن يدفعها.
الفقر مشكلة تؤدي إلى الإخلال بالاستقرار والأمن للوطن, ودأبت معظم دول العالم على إيجاد حلول لمشكلات الفقراء, وخاضت في ذلك تجارب مريرة وفشلت في معظمها. حيث إنه لم تعمل على التخطيط للرفع من مستوى الفقراء وفق خطة مستقبلية لتطويرهم وتفعيل دورهم في المجتمع وتعليمهم للمشاركة في بناء مساكنهم. الفقر ليس فقط بتوفير الإسكان وإنما باستئصاله من جذوره وإيجاد الحلول المتكاملة والمبرمجة لإعادة تأهيل الفقراء كمواطنين فاعلين في بناء المجتمع. وألا نحاول إعادة اختراع ما سبق أن قام بها الآخرون من تجارب وآلت إلى الفشل الذريع وأصبحت تجمعات للجريمة والفساد والمخدرات والأمراض.. وإنما محاولة الاستفادة من تجاربهم وهفواتهم.

إن أهم أسباب فشل هذه التجارب يعود إلى عدم محاولة قراءة ظاهرة الفقر وتصنيف خلفيات الفقراء لمعرفة أسباب الفقر كظاهرة اجتماعية وما هي مسبباته, ووضع برامج ومقايسات ومواصفات تتناسب مع كل نوعية من الفقراء وخلفياتهم الاجتماعية أو الثقافية, ومن ثم وضع برنامج علاجي لكل فئة لتطويرها ومن ثم إعادة تأهيل الفقراء ليكونوا أعضاء فاعلين ومشاركين في بناء الوطن, والتركيز على توعيتهم للتخطيط للمهنة.
وألا نركز على تخصيص أحياء أو مناطق على أطراف المدن ووضع بصمة أحياء الفقراء عليها وكأنما الهدف هو عزلهم عن بقية المجتمع وتعريفهم أو الازدراء بهم بوصفهم بإسكان الفقراء أو ذوي الدخل المحدود. وكأنما نحن نضع ونؤكد عليهم بصمة أو وصمة الفقر إلى الأبد. ما يوثر نفسياً فيهم وفي أطفالهم ويؤدي إلى تبعيات وبيئة خصبة للجريمة أو الفساد وتجارة المخدرات. وأن يتم توزيع مساكنهم على جميع أحياء المدينة وبذلك يسهل على سكان الحي الواحد تبني هؤلاء الضيوف وأبنائهم ومحاولة إعادة الاعتبار لهم كمواطنين وليس فقراء ليعودوا فاعلين يتم تأهيلهم للعمل في بناء هذه الأحياء. بحيث يشاركون في أعمال الحفر والردم والتسوية والرصف والإنارة وفق مكافأة تشجيعية. وتوعيتهم إلى أن العمل ليس عيباً وإنما فخر وبذلك يتعلمون مهنة شريفة تؤهلهم لإحلالهم مكان العمالة الأجنبية.
وضمن محاربتنا للغنى فإنه علينا أن نسهم في تنمية مؤسسات الأعمال المتوسطة والصغيرة ودعمها لما لها من أهمية في استقرارية المجتمع والسعودة بدلاً من الاحتكار والسيطرة للشركات الكبيرة, وبذلك يتم توزيع الثروات الوطنية على شريحة أكبر من المجتمع ليسود الأمن والاستقرار.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي