ديمقراطية ضد حرية الشعوب.. ترجم بالحذاء!
الديمقراطية المثالية بمعانيها وقيمها الراقية الحضارية مطلب كل الأمم في كل زمان ومكان، بل عنصر تفوقها وازدهارها. فهي نظام اجتماعي سياسي يقود لحالة من التوازن والتوافق الاجتماعي ويحقق غاياته وأهدافه عبر طرق ووسائل سلمية يكون فيها القرار نتيجة نقاشات ومداولات مفتوحة وشفافة والفرص متاحة للتعبير والتصريح عن كل الآراء مهما تفاوتت وتضادت. إنها قمة التحضر الإنساني لأنها تخلق التعايش والتفاهم والتعاون بين الأفراد والجماعات وتضمن الحقوق الخاصة والعامة، فحرية الفرد تنتهي عندما تبدأ حرية الآخرين وهكذا يتحقق العدل والمساواة والتنمية الاقتصادية والتقدم الصناعي في بيئة منفتحة حية تؤثر وتتأثر وتتكيف مع المستجدات والمتغيرات وتسعى للتغيير والتطوير والتعلم والبحث عن الأفضل. التوقعات واضحة ساطعة والربط بين الفعل والنتيجة أساس النجاح والجد والاجتهاد سبب الحصول على المكاسب الاقتصادية والاجتماعية وفي كل مناحي الحياة. يعمل الجميع أفرادا وجماعات ومؤسسات بتناغم وتناسق ودراية ووعي تسيرهم قوانين صارمة وأحكام موضوعية وأنظمة حيادية. فالعلاقات في المجتمع الديمقراطي مقننة ذات مرجعية قانونية لا تترك للأهواء والميول الشخصية والأنظمة المطاطية التي يمكن أن تفسر في كل اتجاه حسب المصالح الفردية والارتباطات العائلية والعلاقات الشخصية. الجميع متساوون أمام القانون دون استثناء مشرعين ومنفذين وقضاة وعموما. ذلك أن القانون هو من صناعة المجتمع بإدراك تام ومقصد واضح وهو تحقيق المنافع الخاصة والعامة من خلال الإجراء السياسي وقنوات التعبير والشفافية والمسائلة والحيادية في الأحكام. فالقانون العام يصدر من مجالس نيابية فيكون منبعه الناس بكل أطيافهم وفئاتهم يعبر عن احتياجاتهم وتطلعاتهم للمجتمع.
الحديث عن المرجعية القانونية للقرارات والسلوكيات والتصرفات داخل المجتمع يقرر نتيجة مهمة وضرورية في أن لكل مجتمع نظرته ورؤيته الخاصة في التكوين والهيكل الاجتماعي نابعة من ثقافته متلونة بهويته، وبالتالي من الخطأ تصور أن هناك أسلوبا أو شكلا واحدا لممارسة وتطبيق الديمقراطية فقد تتشابه الأنظمة الديمقراطية في القيم والمضمون والوظيفة، ولكن تختلف بالشكل والتركيب والهيئة. ولذا لا يمكن أن يفاضل أحد الأنظمة على الأخرى أنه أكثر ديمقراطية لأن المسألة لا تعدو كونها نسبية مرجعيتها ما ارتضاه الناس لتصريف شؤون حياتهم الخاصة والعامة. لكن تبقى سيادة القانون السمة المشتركة بين النظم الديمقراطية، ذلك إن التشريعات والسياسات تصدرها مجالس نيابية تعكس آراء الناس وتوجهاتهم. لذا فلا عجب أن تعلق الأفراد والجماعات والمؤسسات في المجتمعات الديمقراطية بالقانون وتمسكوا به واحترموه لأنه نابع من ذواتهم ومن عند أنفسهم وبمحض إرادتهم واختيارهم خطوه بأيديهم وارتضوه بالتوافق بكامل حريتهم واقتناعهم.
وعند الالتفات للمجتمع الإسلامي "المثالي" ومقارنته بالمجتمعات الديمقراطية نجد أن العلاقات الإنسانية في أوج تألقها وأكمل صورها وفي أعلى درجات الموضوعية والحيادية، إذ إنها مبنية على مبدأ التوحيد والخضوع والتسليم لله دون غيره، وبذلك تنتزع الأهواء الشخصية بقرار إلهي يحدد الأطر الشرعية العامة والمبادئ والقيم والأخلاق ليمضي الناس بعد ذلك إلى صناعة قوانينهم وأنظمتهم داخل هذا الإطار الأخلاقي الرفيع الرشيد لضمان ألا تحيد الحرية الفردية أو أن تحيف السلطة العامة وليس كما في النظم البيروقراطية عندما تقود في بعض قراراتها إلى إفساد المجتمع الإنساني وتدمير موارده الطبيعية بحجة الحرية الشخصية أو حرية السوق. فالديمقراطية دون إطار أخلاقي يحقق كرامة الإنسان وينسجم مع فطرته تكون منفلتة متوحشة شهوانية أنانية. إن الديمقراطية كمجموعة قيم ومبادئ تتفق إلى حد كبير مع التشريع الإسلامي، خاصة فيما يتعلق بحرية التعبير وحرية المعتقد لكنها لا تصل لمستواه العالي من النضج حين تفتقد البعد الأخلاقي، وتكون الحرية مجرد إرضاء لنزوات شهوانية. فالإسلام يحارب الربا والزنا والمسكرات والشذوذ الجنسي، بل كل ما من شأنه إفساد الفطرة، بينما في النظم الديمقراطية وتحت شعار الحرية الشخصية وتحقيق المصالح الذاتية يتم التشريع لعلاقات وسلوكيات اجتماعية وقرارات اقتصادية وتوجهات سياسية أفرزت أمراضا وتفككا وفسادا في المجتمع والبيئة. قد يكون من الإجحاف تناسي الإيجابيات في النظم الديمقراطية إلا أن المشهد على الساحة الدولية يخلص إلى حقيقة أن هناك ازدواجية في معايير تطبيق الديمقراطية، فبينما لا يتم الاعتراف بسلطة حركة حماس المنتخبة ديمقراطيا نجد أن الديمقراطية (الشكلية) فرضت بقوة الإجبار على العراقيين والأفغان! والحقيقة أن الديموقراطية خيار شعبي لا يمكن فرضها كما لا يمكن نزعها.
لا يمكن أن تفرض الديمقراطية على أي مجتمع لأن ذلك ضد حرية الشعوب في الاختيار، وهذا يتنافى مع جوهرها وقيمها ومبدأ الحرية التي تنادي به. وعندما يقتل الناس ويسجنون ويعذبون باسم الديمقراطية وتحقيق الحرية والعدالة والمساواة يكون أمرا سمجا يثير السخرية والاستهجان والأسوأ تشويه صورة الديمقراطية لترفض وتمقت وهي براء من تلك التصرفات التي لا تمت لها بصلة لا من قريب ولا من بعيد. الأنظمة الديمقراطية عندما تتمسك بالإجراءات وتتخلى عن الخلق والقيم تصبح شرا مستطيرا ووبالا على العالمين. فهذه الحروب العالمية التي حصدت حياة عدد كبير من البشر وما تبعها من احتلال للمجتمعات واستغلال ثرواتها كلها من صنيع المجتمعات الديمقراطية. وبحسبة دقيقة نجد أن سيئاتها تفوق حسناتها لأن هذه الجرائم ترتكب باسم شعوبها التي في لحظات تاريخية تتحول حكوماتها المنتخبة إلى قيادة الغوغائية تأخذها العزة بالإثم وتسير المجتمع إلى الشر والحرب والدمار للحفاظ على الديمقراطية المزعومة والتغني بحماية مصالحها.
الديمقراطية كنظام أشبه ما تكون بالنبتة التي تتطلب أن تزرع في التربة والمناخ المناسب ولا يمكن أن يكتب للديمقراطية النجاح وأن تترعرع وتنمو إذا كانت مستوردة من خارج النظام الاجتماعي فكيف إذا كانت مفروضة وبقوة السلاح والإجبار. لقد قامت إدارة الرئيس بوش الصغير بتدمير صورة الولايات المتحدة في العالم أجمع التي كانت في وقت من الأوقات رمزا للحرية والعدل والمساواة. وعلى الرغم من قدرة هذه الأنظمة على تصحيح مسارها بعد أن تقع الفأس في الرأس إلا أن ما تم في العراق وأفغانستان من قتل وتدمير واعتقال عشوائي وظلم سيبقى شاهدا على تعسف النظم الديمقراطية وعلامة سوداء في التاريخ الحديث. في المقابل ستكون حادثة حذف الرئيس بوش بالحذاء في نهاية فترته الرئاسية صورة ذهنية ورمزا سيخلد وتتذكره الأجيال عنوانا لرفض العنجهية والتدخل في شؤون الآخرين بطريقة تتناسب تماما مع سلوك الغير.