هل نظام الاقتصاد الإسلامي بديل جاهز؟!
يتزايد العلماء الذين يقولون إن النظام الرأسمالي يتداعى، ويطالبون بالبحث عن الإصلاح أو عن نظام اقتصادي بديل يتناسب مع المتغيرات والمستجدات التي أفرزتها الأزمة المالية العالمية.
والغريب أن علماء أمريكيين وأوروبيين هم الذين يقولون بضرورة البحث عن نظام بديل للنظام الرأسمالي، بينما قلة من العلماء يقولون إنه من المبكر الحكم على انهيار النظام الرأسمالي، حتى الأكاديمي الأمريكي بول كندي صاحب كتاب سقوط الإمبراطوريات من الذين توقعوا انهيار النظام المالي الدولي الحالي، وهو لذلك يؤكد أن الإمبراطورية الأمريكية دخلت مرحلة التصدع والانهيار بسبب الكارثة المالية التي ضربت مؤسسات المال والأعمال، وبسبب الانهيارات العسكرية في العراق وأفغانستان.
وعلى صعيد أكثر راديكالية ترى بريطانيا ضرورة الإعداد لمؤتمر دولي موسع على غرار مؤتمر بريتون وودز الذي انعقد غداة الحرب العالمية الثانية لوضع أسس نظام اقتصادي ومالي عالمي جديد ، بل إن ساركوزيه الفرنسي صارح الرئيس الأمريكي بوش بأن أمريكا هي من تسبب في الأزمة المالية العالمية وأنه من الضروري البحث عن نظام مالي دولي جديد يحل محل النظام الأمريكي المتداعي.
وسط هذا الإجماع الدولي نزعم أن التصدع الذي اعترى النظام الرأسمالي يعد فرصة فريدة أمام علماء الاقتصاد الإسلامي كي يقدموا مشروعاً اقتصادياً عالميا مقنعاً.
وأذكر أننا حينما كنا ندرس في قسم الاقتصاد في جامعة الملك عبد العزيز كان المسؤولون عن الكلية وأخص بالذات المرحوم الدكتور حسن أبو ركبة، عميد الكلية ووكيله الدكتور مدني علاقي كانا متحمسين جداً لتقرير مادتين جديدتين لقسم الاقتصاد، وهما مادة الاقتصاد الإسلامي ومادة اقتصاديات البترول، وفعلا استطاعا أن يجربا في دفعتنا إقرار هذين المقررين المهمين.
ورغم أن مراجع هاتين المادتين كانت في ذلك الوقت ضنينة، بل لم يكن لدينا مراجع وإنما كان حماس وإخلاص أعضاء هيئة التدريس المتخصصين في علوم الاقتصاد وفى علوم المالية العامة مستعينين بأساتذة علوم الشريعة.. وراء كتابة أولى المذكرات في الاقتصاد الإسلامي، حتى أمكن – في النهاية - التوصل إلى مقرر ومنهج لهذه المادة، ثم استطاع الأساتذة المحترمون أن يقننوا التكليفات ويطالبون الطلاب بكتابة بحوث تجيب عن السؤال التالي: هل توجد نظرية للاقتصاد الإسلامي، وإذا لم توجد نظرية للاقتصاد الإسلامي، فهل يمكن بناء نظرية للاقتصاد الإسلامي؟! وأذكر أن العام الدراسي انتهى ولم يتوصل الفصل الدراسي إلى إجابة شافية وافية عن هذا السؤال، ولكن الجميع سلم بأن بناء نظرية للاقتصاد الإسلامي ليس من السهولة بمكان، ولكن بديلاً عن ذلك أمكن التوصل إلى إطار فكرى لنظام اقتصادي إسلامي.
أقول إن هذه المحاولة العلمية الفتية بدأت في عام الدراسة 1977، حينما كنا في صفوف الطلاب أي قبل أكثر من 30 عاماً، وأحسب أن 30 عاما ونيفاً كافية للوصول إلى بناء نظرية في الاقتصاد الإسلامي، أو لنقل إلى وضع أسس نظام اقتصادي إسلامي يمكن تطبيقه على مستوى الاقتصاد الدولي، ولا سيما أن البنوك الإسلامية التي بدأت تنتشر بنجاح في عالمينا العربي والإسلامي بدأت تلقى قبولاً وإقبالا حتى في أوروبا، وهي لذلك تقدم نموذجا ناجحاً للتقدم بخطوات أوسع نحو بناء نظام اقتصادي إسلامي دولي.
وأتصور أنه لم يعد مطلوبا الآن بناء نظرية في الاقتصاد الإسلامي، لأن النظريات في الاقتصاد الاشتراكي والنظريات في الاقتصاد الرأسمالي لم تمنع وقوع الكارثة التي ألحقت خسائر فادحة بالأموال والأعمال. ولذلك نحن في أمس الحاجة إلى نظام اقتصادي يحمى الاقتصاد الدولي من الهزات والفساد، ويساعد اقتصادات العالم على النمو والاستقرار ويحارب الفقر ويحقق مستويات أعلى من الرفاهية الاجتماعية.
لقد جربت البشرية بقيادة الغرب عدة نظم اقتصادية خلال الـ 300 سنة الأخيرة من أبرزها النظام الرأسمالي والنظام الشيوعي أو الاشتراكي، وجميعها تقوم على أساس الفرضية الغربية القائلة إن الدِّين والأخلاق خارج دائرة النشاط الاقتصادي رغم أن النشاط الاقتصادي هو في الأساس نشاط إنساني يتمحور حوله الدين والعاطفة وبالذات في كل ما يتعلق بالإنتاج وأنواعه والاستهلاك بأنواعه. ولذلك سقطت النظرية الاشتراكية في بداية التسعينيات ثم بعد أقل من 20 عاما تصدعت الرأسمالية بعد أن ألحقت خسائر فادحة بالاقتصاد العالمي.
من هنا نستطيع القول ونكرر، إن الفرصة مواتية أمام علماء الاقتصاد الإسلامي كي يروجوا لمشروعهم الذي يجد اليوم فرصة كي يدخل حلبة المنافسة على إدارة الاقتصاد الدولي.
إن الدكتور عدنان أحمد يوسف رئيس اتحاد المصارف العربية صرح أخيرا أن النظام الاقتصادي الإسلامي يفرض نفسه كحل لمواجهة الأنظمة المالية الغربية التي تقف وراء الكارثة الاقتصادية التي تخيم على العالم مطالبا بضرورة تطبيق الشريعة الإسلامية في المجال الاقتصادي. ثم أكد أن الغرب يعكف بصورة جدية – وبالذات في فرنسا وبريطانيا - على دراسة نظام الاقتصاد الإسلامي كبديل للنظام الاقتصادي الرأسمالي.
دعونا نتخذ من الأزمة المالية العالمية سبيلاً لاختبار النظام الاقتصادي الإسلامي المقترح ومناقشة أهم مواقفه إزاء الأسباب التي أدت إلى الكارثة المالية العالمية.
كلنا يعرف أن الأزمة المالية العالمية ارتبطت في بدايتها بالرهن العقاري، وبالذات حينما قامت البنوك ومؤسسات التمويل العقاري في أمريكا ببيع القروض لشركات التوريق التي أصدرت سندات وطرحتها في أسواق المال، ثم قام أصحاب المنازل بإعادة رهن عقاراتهم لمؤسسات أخرى للحصول على قروض جديدة، ثم قامت هذه المؤسسات ببيع هذه القروض إلى شركات توريق أصدرت بها سندات وطرحتها في الأسواق المالية، ثم تم تداول هذه السندات بين الأفراد وشركات الاستثمار على نطاق واسع حتى تراكبت الديون فوق بعضها بعضا وأصبحت قيمة هذه الديون المتداولة بموجب السندات أضعاف قيمة العقار ، وطبعا نتج عن ذلك انخفاض كبير في أسعار العقارات. وعندما انخفضت أسعار العقارات عجز المقترضون عن سداد الأقساط وفوائدها، عندئذ انهار البناء كله محدثا الأزمة العالمية، وفى ذلك كله مخالفات شرعية من أهمها ترتيب رهون عدة على عقار واحد وهو باطل شرعا، ثم بيعت الديون لغير المدين بأسعار تقل عن قيمة الدين وهو ربا تحرمه الشريعة.
الأشنع من هذا وذاك أن عقود البيع والشراء كانت تتم على بيع وشراء مقابل قرض ولم يتم على أساس بيع وشراء سلعة أو سهم أو سند وهذا أيضا مخالف للشريعة الإسلامية.
أما فيما يتعلق بهبوط أسعار الأسهم في الأسواق المالية، فإن النظام الرأسمالي أعطى ترخيصاً للمضاربات قصيرة الأجل من خلال الشراء بالهامش، أي أن تشترى دون أن تدفع ويتولى السمسار العملية بقرض بفائدة والبيع على المكشوف، بمعنى أن تبيع دون أن تملك من خلال اقتراض الأسهم من السمسار. وكل هذا غير جائز شرعا لأنها تنطوي على دفع فوائد ربوية مركبة.
ويتضح من ذلك أن أنظمة التعامل في البورصة هي تطبيقات للمضاربة والمقامرة وفقا للتخمين والظن في ظل الإشاعات المضللة التي تقود إلى خلق النقود الوهمية وإلى إقامة نظام اقتصادي وهمي.
لذلك أكد الكثير من فقهاء الاقتصاد الإسلامي أن هذه المعاملات من قبيل الميسر وهي محرمة شرعاً، وأن الدافع إلى التعامل بهذه الأساليب هو الجشع والطمع وهي سلوكيات مذمومة إسلاميا.
وفى النهاية أسفرت هذه المخالفات التي أقرها النظام الرأسمالي عن أكثرية من الفقراء يتناثرون في كل أنحاء العالم ويعانون كل صنوف الحرمان والجوع والبؤس، مقابل قلة من الأغنياء لديهم وفرة في الموارد ويعيشون في بحبوحة من العيش ولكنها وفرة خالية من السعادة الحقيقية.
ولذلك كانت النتيجة الطبيعية أن رواد النظام الرأسمالي وعلى رأسهم رئيس وزراء بريطانيا ورئيس فرنسا هم الذين يطالبون باستبدال النظام الرأسمالي بنظام أكثر عدلاً للبشرية جمعاء.
وفى الختام نقول إذا كان الغرب يرفض نظام الاقتصاد الإسلامي لأسباب أيديولوجية فلا أقل من أن تطبق الدول الإسلامية هذا النظام الذي أثبت نجاحاً لافتاً على صعيد البنوك والمعاملات الإسلامية في كل دول العالم الإسلامي وبعض الدول الغربية.