الانكماش الاقتصادي سيؤدي إلى انتعاش فكري في عام 2009

لم يبق محلل أو متخصص إلا وتنبأ بأن الأسواق العالمية والمؤشرات الإحصائية تنبئ بكساد أو ركود اقتصادي خطير خلال العام المقبل 2009، وأن أي بادرة تصحيح لن تكون مؤثرة بشكل مباشر أو سريع. من الطبيعي أن ينعكس الخطب الجلل على الشارع والناس والأعمال والسياسة أيضا، ولكن هل نظل في هذا النحيب والدوران في حلقة عاطفية دون التهيؤ لإدارة العام المقبل عبر تكثيف اللقاءات والإقلال من التنظير والبحث عن الواقعية في إجابة كل سؤال اقتصادي بأفضل تحليل وتفسير؟ في نظر بعض الجهات سيكون عام 2009م "عام التنوير الاقتصادي"، حيث إن الانكماش الاقتصادي في حد ذاته مادة علمية تقود لحلول أقرب إلى الواقع منها إلى التنظير. في نظرهم عقد المؤتمرات وورش العمل المحلية والدولية لمناقشة الأوضاع الاقتصادية بعمق واستخدام أفضل الأساليب العلمية بجمع إحصاءات دقيقة بجانب ما توافر خلال العامين الماضيين سينهي هذا العام بأقل الخسائر. هذا المنظور أثر في مؤسسات مدنية عالمية فاجتمعوا على أن ينتهي هذا العام 2008 بعقد أكثر من 30 مؤتمرا وتجمعا دوليا اقتصاديا على مستوى العالم في كانون الأول (ديسمبر) فقط وذلك لإعادة تعريف الأوضاع الاقتصادية من جديد واستكشاف حلول إدارية واقتصادية وعلمية جديدة بعد انهيارات الأسواق والبنوك. أما مع بداية العام الجديد فقوائم التجمعات الدولية لمناقشة الشؤون الاقتصادية للمجتمعات كأفراد ومؤسسات وضعت لتقارب الـ 20 تجمعا محليا ودوليا في كل شهر على مدار العام بهدف الحد من فترة الانكماش والانحسار الاقتصادي وتقليص تأثيرها في التنمية في غالبية دول العالم. بالطبع في هذه اللقاءات الكل يبحث عن الإحصاءات الحكومية والأرقام الحقيقية وتحديد ماهية توزيعها وانتشارها رياضيا باستخدام الاختبارات الإحصائية ومن ثم مناقشة التحليلات على طاولة الاجتماعات في حضور أهل الخبرة والعلم قبل المسؤولين.
هنا يتبادر للذهن سؤال يحير كثيرين وهو: هل لأننا في مأمن لبعض الوقت نكتفي بتجمع أو اثنين أو حتى عشرة على مدار العام وبالتالي سنكون في وضع أفضل. نحن لدينا مشكلة استهلاك والجميع من حولنا يضعون الأسئلة كمحاور لمؤتمراتهم عن إمكانية المستهلك في تحديد موعد لتحسين الوضع الاقتصادي بتغييره طريقة استهلاكه, فهل سنخصص مؤتمرا يناقش هذا المحور بواقعية وبتفصيل منطقي أكثر؟ كما أن كثيرين يتحدثون عن الاستفادة من الدورات الاقتصادية, وتحوير مسارات الصناعات وتعديل أسلوب الإنتاج بناء على العرض والطلب, وتغيير أو تقنين عمليات الإقراض وتنظيم أسواق العقار لحمايتها من القرارات الفردية أو الجامحة, وإعادة التفكير في مصادر التمويل والحفاظ على الموارد على المدى البعيد دون الانزلاق وراء أهواء تجعل من المستثمرين بين ليلة وضحاها فقراء, فهل لهذه المحاور مؤتمرات مخصصة تخرج بمفهوم ووعي جديدين؟ في بعض اللقاءات أو المؤتمرات مثلا عرضت فروقات استهلاك الطاقة بأنواعها المختلفة بين الصين وأمريكا في محاولة لإبراز أسلوب تبنته دولة لتعيش على مقومات داخلية لمدة طويلة جدا ولا تفكر في ربط الأحزمة إلا في تعداد سكانها. بعد هذه المقارنات بدأت أمريكا في دراسة وضعها الاقتصادي على مدار 120 عاما مضت بحثا عما يحميهم لـ 100 عام مقبلة ولئلا يزداد اعتمادهم على الدول فيكونون عرضة لهزة قد تكلفهم نهاية إمبراطورية, فهل كمسلمين وعرب وخليجيين سنصل بهذه العبر إلى تسجيل وتوثيق ما مررنا به وما نمر ونرفع رؤوسنا وننظر أمامنا ونسهم في تخفيف وطأة الزمن على أجيالنا المقبلة؟ المؤتمرات فرصة كبيرة لإطلالة سيدات الأعمال بأفكار قد يستبعدها رجال الأعمال وفيها مخارج لكثير من المآزق السابقة والحالية والمستقبلية إذا استمرت أوضاع الأسواق رهينة القرارات "الخشنة". خلال الـ 15 عاما الماضية وإيرلندا الشمالية تتبع خطة كانت قد كتبت استراتيجيتها من قبل لأن تكون المرأة حاضرة في حركتها الاقتصادية بعد الاجتماعية والتعليمية, وقد تحقق لها كثير في مساندة الرجل في الأعمال الإدارية العليا والمكتبية وحتى في المصانع الثقيلة والخفيفة. أين نحن من هذه الأمثلة ومن هذه المنظومة الدولية المخططة ليومها وشهرها وسنتها وعقدها، بل على مدار 50 عاما مقبلة؟ متى ستقام مؤتمراتنا؟ ومن سيدعى لها؟ وما المواضيع التي ستناقش، وما توقعات أساتذة الاقتصاد في عامنا الحالي؟ وإذا استطعنا عبورها فما توقعهم للعام الذي يليه؟ للأسف لم أجد سوى قوائم خلطت بين حضور فعاليات وأنشطة ترفيهية ومعارض تسويقية وإقامة مؤتمرات حقيقية ولكن لم يسلط عليها الضوء باحتراف لمعرفة كيف يمكن الاستفادة منها في وضعنا الحالي. في الحقيقة المعلومات والإرشادات في المواقع الإلكترونية تُحدث باستمرار وبأشكال جمالية إضافة إلى التواصل الإيجابي عبر النشرات الإخبارية الإلكترونية السريعة Newsletters في حين أن مواقعنا ما زالت تبحث عن ماذا يمكن أن تكتب في هذه النشرات.
علماؤنا الأفاضل .. هل يمكن أن نتعاون على إخراج الناس من ضائقتهم النفسية والأزمة المالية بالإجابة عن تساؤلاتهم التي تحتاج إلى متخصصين يناقشونها لمحاورتها والإجابة عنها بأسلوب بسيط؟ إن كل ما يسألون عنه لا يخرج عن: ما المخاطر الاقتصادية التي يجب أن نتجنبها كأفراد أو مؤسسات من واقع ما حدث خلال العامين الماضيين؟ كيف يمكن زيادة الدخل بأسلوب مقنن ومحدود المخاطر؟ كيف يمكن حماية مدخراتنا من الضياع أو زيادتها لتكون حزام الأمان لنا ولأبنائنا؟ هل يمكن تشغيل أموال أكثر خلال الركود الاقتصادي؟ ما فرصة دعم سوق المال والحفاظ على ثباته وكفاءته؟ هل تحقيق مكاسب ضئيلة كفيل بإعادتنا إلى الوقوف على أرجلنا مرة أخرى, وهل المدة المتوقعة لهذه الأزمة تختلف من مكان لآخر أو من مجال لآخر؟ كيف يمكن أن نستفيد من الفوائض إذا لم نكن نأمن عليها في البنوك؟... إلخ. أعتقد أن تحركا إيجابيا نحو ذلك سيجعل الذين يعلمون أكثر تقديرا في عيون الذين لا يعلمون, والله يحب المحسنين.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي