العالم شهد عام 2008 أزمة اقتصادية حادة لا يمكن التكهن بأبعادها
تحول الشلل الذي أصاب بشكل مفاجئ في أيلول (سبتمبر) النظام المصرفي والمالي إلى أزمة اقتصادية عالمية لم تعد توفر أي منطقة ولا يمكن لأحد التكهن بحجمها وأبعادها. وتعمد الشركات الكبرى في العالم منذ تشرين الأول (أكتوبر) إلى إلغاء الوظائف بعشرات الآلاف، فيما يهدد الإفلاس الشركات الصغرى. وتزداد البطالة بوتيرة سريعة جدا في معظم الدول التي دخل بعضها مرحلة انكماش اقتصادي.
وتتابعت الأحداث بسرعة مذهلة منذ 15 أيلول (سبتمبر) حين أعلن مصرف ليمان براذرز الأمريكي إفلاسه.
وفيما كانت التساؤلات لا تزال تدور حول عمق أزمة القروض العقارية التي اندلعت العام السابق في الولايات المتحدة، جاء سقوط هذا الاسم الكبير في "وول ستريت" ليثير الشكوك حول النظام المصرفي برمته ويبعث مخاوف من حصول سلسلة متعاقبة من عمليات الإفلاس في العالم.
وباتت المصارف بين ليلة وضحاها ترفض إقراض بعضها بعضا ما شل سوق القروض وأدى تاليا إلى تضييق الخناق على الاقتصاد.
وسارعت حكومات الدول المتطورة التي كانت الضحايا الكبرى للأزمة إلى إقرار خطط إنقاذ بتكلفة باهظة بلغت 700 مليار دولار في الولايات المتحدة على سبيل المثال، ومضت إلى حد تأميم بعض المصارف مثل المصرف الفرنسي البلجيكي ديكسيا.
وتعهدت دول مجموعة السبع بعدم السماح بإفلاس أي مؤسسة مالية كبرى، ولكن دون أن تتمكن من وضع حد لأسوأ أزمة مالية ألمت بالعالم منذ 1929 في رأي منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية التي توقعت استمرار اختلال عمل القطاع المالي "حتى نهاية 2009".
ولم يصمد الاقتصاد طويلا في وجه الأزمة المالية. ووصفت منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية الأزمة بأنها "الأشد منذ مطلع الثمانينيات" ولم تتوقع أي تحسن في معظم الدول "قبل النصف الثاني من عام 2010".
وإن كان من المفترض أن تنجو الدول الناشئة العملاقة مثل الصين والهند من الانكماش، إلا أن اقتصاداتها ستشهد تباطؤا واضحا بعد تسجيل نمو بنسبة تقارب 11 و9 في المائة على التوالي، ما ينذر بسقوط نظرية "استقلالية" الدول الناشئة اقتصاديا.
واستخلصت الأسواق العبر من هذا الوضع فانهارت البورصات وتراجع سعر النفط إلى ثلث ما كان عليه، كما انهارت أسعار المواد الأولى الأخرى في ظل المخاوف من انهيار الطلب. وبات العاملون في القطاع العقاري في جميع أنحاء العالم يتوقعون الأسوأ.
وبعد الدوامة التضخمية التي عمت العالم بين صيف 2007 وصيف 2008، سجل انخفاض سريع في مستوى التضخم يخشى العديد من خبراء الاقتصاد أن يتحول بدوره إلى "انهيار".
وسعيا منها لتجنب الأسوأ، عمدت المصارف المركزية إلى خفض معدلات فائدتها دون أن تنجح في تهدئة مخاوف السوق. وبعدما خفض الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي (البنك المركزي) معدل فائدته الرئيس إلى 1 في المائة، شارف على استنفاد هامش التحرك المتاح له على هذا الصعيد.
وتعمل الدول التي طاولتها الأزمة على صياغة خطط لإنعاش اقتصادها سواء في أوروبا أو حتى في الصين. أما في الولايات المتحدة، فيطالب الرئيس المنتخب باراك أوباما بخطة "على الفور".
ورأى إيلي كوهن مدير الأبحاث الاقتصادية في المركز الوطني الفرنسي للبحث العلمي "ثمة مشكلتان لا يمكن لأحد الرد عليهما: تأثير إزالة ديون النظام المصرفي وعمق الركود ومدته". وحيال هذا الغموض، يرى أن "السلوك الواجب على الجميع يقضي بتجميد السيولة التي في متناولهم والحد من الاستهلاك والإقراض" مضيفا "لقد دخلنا عالما جديدا تماما حيث النظام المالي العالمي معطل وأي علاج لا يمكن أن يكون ناجعا".